Tuesday, December 07, 2004

http://ait.ahram.org.eg/Archive/Index.asp?DID=8300&CurFN=MAKA0.HTM


قضيه اثارها النقاش حول اولويات جدول اعمال حكومه نظيف‏:‏
العلاقه بين الخبز والكمبيوتر‏:‏ تصادم ام تكامل‏..‏ ولمن الاولويه؟


ويمكننا استشفاف هذا المعني باستعراض جانب مما نشر في اطار هذا النقاش الدائر بالعديد من الصحف والمجلات القوميه والمعارضه علي السواء‏,‏ فهناك من تساءل عن شعور مئات الالوف الذين يسكنون المقابر في القاهره او نظرائهم الذين يعانون نقص المياه وشح الخبز في اطراف العاصمه‏,‏ وهم يسمعون عن حكايه انشغال الحكومه بتوفير كمبيوتر لكل بيت موكدا علي ضروره ترتيب اولويات العمل العام علي نحو صحيح‏,‏ يضع في المقدمه مصالح الاغلبيه التي تضم ملايين الفقراء الضعفاء والمهمشين وهناك من اشار الي ان القضيه التي تشغل المواطنين هي لقمه العيش وفرص عمل للشباب الذي تهدده البطاله بالانحراف‏,‏

والاسعار والدروس الخصوصيه والاحتكار والدواء‏,‏ وبعد ذلك ربما يفكر الانسان في الكمبيوتر الذي يشغل المثقفين ورجال الاعمال وطبقه الاداره العليا وتساءل مسئول سابق هل البلاد مهياه للدخول الي عصر التكنولوجيا بينما نصف السكان اميون ولا يجدون رغيف الخبز؟‏..‏ كيف سيتعاملون مع الكمبيوتر والتكنولوجيا؟ واكد كاتب كبير انه ليس ضد الحكومه الذكيه ولا الكترونيه كل شيء‏,‏ ولكن بعد الاحتفال بمحو اميه اخر امي مصري وان تكون في مصر كفايه من بطاقات التموين وتساءل احد المفكرين‏:‏ هل الاكثر الحاحا ان تنفق الحكومه علي توفير البروتين للناس بسعر رخيص وجوده مناسبه ام الاكثر الحاحا ان تنفق وقتها ومواردها في برنامج الحكومه الالكترونيه الذي يستهدف ضرب الروتين؟ واخيرا نشرت احدي الصحف ان نوابا في البرلمان قدموا طلب احاطه حول بطاقات التموين المميكنه واكدوا للصحيفه ان قرار مغنطه البطاقات يعد ترفا يتكلف مبالغ طائله في وقت تقلصت فيه المقررات التموينيه وتغيرت نوعيتها الي الاسوا‏,‏ وهو قرار يثبت ان الحكومه تريد ان تشغل الراي العام بقضيه لا علاقه لها بالمشكله الاساسيه‏.‏

لو حاولنا استقراء ما تحمله هذه الاراء من معان‏,‏ سنجد ان النقاش لا يتوقف عند مجرد الحديث عن الخبز والكمبيوتر‏,‏ فهما يرمزان لقضايا اكبر واوسع نطاقا وشمولا‏,‏ فالخبز يرمز للقضايا الخاصه بالاحتياجات الاساسيه للمواطنين ليس في الماكل فقط ولكن في الملبس والمسكن والانتقال والتعليم وغيرها‏,‏ والكمبيوتر يرمز لقضايا التنميه المعلوماتيه بافرعها المختلفه من تدريب وحكومه الكترونيه ونشر للحاسبات والانترنت بالمجتمع وتنميه لصناعه الاتصالات والبرمجيات وخلافه‏,‏ ومن هنا فان النقاش يعبر في جوهره عن قضيه مبدئيه ذات ابعاد اعمق‏,‏ تتمثل في مدي الاقتناع المجتمعي بالاهميه والوزن النسبي الذي تشكله قضيه التنميه المعلوماتيه في هذه المرحله مقابل القضايا الاخري المدرجه علي جدول اعمال الوطن‏,‏ وهل يمكن اعتبارها قضيه تستحق الاهتمام وجديره باحتلال اولويه متقدمه‏,‏ ام من المتعين تاجيلها لان هناك قضايا اكثر الحاحا واجدر باحتلال المراكز المتقدمه في جدول اعمال الحكومه‏.‏

وخطوره المضي قدما في النقاش علي هذا النحو انه يدفع لاذهان الكثير من متابعي النقاش خاصه من غير المتخصصين والمواطنين العاديين بتساول مبدئي ومصيري تصور الكثيرون اننا تجاوزناه وهو‏:‏ هل المجتمع يحتاج تكنولوجيا المعلومات الان ام لا؟

وفي تصوري ان العلاقه بين الخبز والكمبيوتر لا تحتمل ان تصاغ وفق منهج المواجهه والتصادم الذي يقود الي تثبيت احدهما في الواجهه‏,‏ ونفي الاخر الي زاويه غير مرئيه من الساحه‏,‏ فالموكد ان المواطن يستحيل عليه العيش بدون الخبز‏,‏ ولكن من الموكد ايضا انه لن يستطيع الان وفي المستقبل الحصول علي ما يكفيه من الخبز بكم ونوعيه مناسبه اذا تم تغييب او تاجيل توظيف طاقات الكمبيوتر واستمرت سيطره الروتين‏,‏ ويمكننا صياغه التساولات التي تفضل بها الكتاب والاساتذه علي نحو عكسي‏,‏ فنقول مثلا‏:‏ هل يمكن القضاء علي الاميه دون الاستعانه بالكمبيوتر في وضع الخطط وتسهيل الشرح للدارسين؟ وكيف نفكر في حل مشكله الخبز ونستبعد قدرات تكنولوجيا المعلومات في الحل؟ وما الذي يمنعنا من التفكير في الكمبيوتر كوسيله للقضاء علي الدروس الخصوصيه؟ وهل هناك عائق يمنعنا من استخدام الكمبيوتر في اداره المتداول من الدواء بالاسواق بطريقه تحقق ولو هامشا بسيطا من الوفر في الاسعار؟

اننا لو اخذنا برامج الحكومه الالكترونيه كمثال‏,‏ وحاولنا التفتيش عن اوجه التناقض بين جهود ضرب الروتين وجهود توفير البروتين‏,‏ فسنجد اوجها للتكامل والتلاقي وليس التناقض‏,‏ وهنا يمكننا ان نتساءل‏:‏

كم تتكلف البلاد من خسائر نتيجه الفرص الضائعه بسبب التعامل مع المستثمرين باسلوب عقيم يعقد ولا يفيد ويدفع المستثمر للهروب الي بلدان اخري؟

كم يتكلف المواطن الذي يحتاج الخبز من جهد ومال لكي يحصل علي خدمه من جهه حكوميه لا يعرف موظفوها سوي فن تعذيب الناس واضاعه الوقت؟

كم يتكلف المواطن الذين نبحث له عن بروتين حينما يضطر للسفر مئات الكيلومترات من اجل استخراج ورقه يمكن توفيرها له الكترونيا بطريقه اسهل واقل تكلفه بل يمكننا التساول بطريقه اخري‏:‏ كم من الفوائد يمكن جنيها حينما تتاح للمواطنين ورجال الاعمال والمستثمرين واهل الصناعه بكل شفافيه ووضوح الخدمات والمعلومات الخاصه بالجمارك التي ترصد الحركه التجاريه علي مستوي الدوله‏,‏

والخدمات والمعلومات الماليه التي تشمل القدرات الماليه للشركات وتعاملاتها‏,‏ وخدمات ومعلومات البناء والاسكان والمحليات التي تعتبر من اهم الموشرات التي تتيح معرفه حركه البناء العمراني‏,‏ وخدمات ومعلومات السجل التجاري ومصلحه الشركات وهيئه الاستثمار‏,‏ والمعلومات الكامله عن الاتفاقيات التجاريه بين مصر ودول العالم‏,‏ والخدمات والمعلومات الخاصه بالمناقصات والاعمال التجاريه التي تعد بالالاف شهريا وربما يوميا‏,‏ وخدمات ومعلومات المرور والكهرباء والسجل المدني ومرفق المياه والصرف الصحي والسياحه والطيران ومعلومات هيئه التامينات وغيرها‏,‏ والتفكير في هذه الاسئله يقودنا مباشره الي نتيجه واحده وهي ان الانفاق علي ضرب الروتين عبر برنامج الحكومه الالكترونيه لا يتناقض مع الانفاق علي توفير البروتين للناس بل العكس هو الصحيح‏,‏ لان تنفيذ البرنامج بشكل سليم سيوفر عشرات مئات الملايين من الجنيهات التي يمكن توجيهها لدعم جهود توفير البروتين‏.‏

لذلك نحن ازاء علاقه تبادل منافع وارتباط عضوي بين وسائل توفير الخبز واتاحه الكمبيوتر‏,‏ ولكنها علاقه مركبه تتطلب فهما عميقا وترتيبا سليما لموقع كل منهما بالنسبه للاخر علي الساحه‏,‏ وعلي جدول اعمال الحكومه والناس علي السواء‏,‏ بما يتناسب مع قوه وعمق الترابط المطلوب صياغته بين الطرفين‏.‏

ونقطه البدايه السليمه لازاله الالتباس غير المبرر في هذه العلاقه تتمثل في الوعي بان تكنولوجيا المعلومات بدءا من الكمبيوتر الصغير بالمنازل وانتهاء ببرامج التنميه المعلوماتيه الكبري ليست هدفا في حد ذاتها‏,‏ وليست علي الاطلاق بديلا او منافسا للخبز‏,‏ بل هي اداه وخادم مطيع يوضع في يد من يسعون لتوفير الخبز والبروتين للناس‏,‏ ليعينهم علي تحقيق اهدافهم بوسائل اكثر فعاليه واعلي في الانتاجيه واكثر فائده في صيانه الموارد القليله المتاحه‏.‏

من هنا يصبح السوال المركزي في العلاقه بين الخبز والكمبيوتر هو‏:‏ هل نحن مشدوهون فقط بما يفعله جواد تكنولوجيا المعلومات الجامح عالميا‏,‏ ونهرول وراءه علي طريقه من ينبهرون دوما بالموضات والصراعات الجديده بلا عقل ولا منطق‏,‏ ام لدينا رويه وخطط واضحه وعقول واعيه تستوعب ما يفعله هذا الجواد الجامح وتوظف طاقاته في التخفيف مما نعاني منه وتحقيق ما نصبو اليه ونحلم به‏.‏

في رايي انه ليس هناك بديل عن وجود رويه وخطط وعقول واعيه تجعل اليد العليا لاحتياجات الشعب واليد الدنيا للتكنولوجيا التي يتعين ان تلبي هذه الاحتياجات وتخدمها‏,‏ واي تصور خلاف ذلك سيدفع علاقه الخبز والكمبيوتر الي صدام ضار لا مبرر له علي الاطلاق‏.‏

يبقي القول انني لست معنيا هنا بتوضيح ما يحمله جدول اعمال الحكومه وبالمرتبه التي يضع فيها قضيه التنميه المعلوماتيه فهذه مهمه المسئولين بالحكومه‏,‏ ولكن ما كان يعنيني في المقام الاول اننا ازاء نقاش جاد ومهم ومفيد لا يجب ان يتوقف‏,‏ فالمشاركون فيه كتاب كبار ومفكرون ومسئولون من مختلف التخصصات والتيارات والفعاليات داخل المجتمع‏,‏ وهذه فرصه جيده ربما لم تتح من قبل لقضيه التنميه المعلوماتيه التي ظلت محصوره داخل الدائره الضيقه للمتخصصين فيها والمعنيين بها عن قرب‏,‏ وكانت طوال الوقت ضعيفه الصله بالمجتمع الواسع ولا تستقطب اهتمام اسماء لامعه وكتاب لهم جمهورهم العريض‏,‏ وفي تصوري انه من واجب المسئولين عن التنميه المعلوماتيه داخل الحكومه او القطاع الخاص المشاركه في هذا النقاش المجتمعي واستثمار قوه الدفع الجماهيريه التي كسبتها التنميه المعلوماتيه من وراء اهتمام كبار الكتاب بها وشرح تصوراتهم كمسئولين بالحكومه او القطاع الخاص للوزن النسبي لهذه القضيه في مقابل القضايا الاخري علي اجنده الوطن ومكانها في سلم اولوياته حتي لا تعود القضيه لنقطه الصفر من جديد‏.‏




0 Comments:

Post a Comment

<< Home