Tuesday, December 07, 2004

http://ait.ahram.org.eg/Archive/Index.asp?DID=8307&CurFN=MAKA0.HTM


واقع ومستقبل الديمقراطيه الرقميه بعد الانتخابات الامريكيه‏(1)‏
ثوره في ممارسه الديمقراطيه صنعتها تكنولوجيا المعلومات






لم تكن معركه بوش وكيري سياسيه فقط‏,‏ بل كان لها وجهها الرقمي الذي حفل هو الاخر بصراعات ومنافسات لم تقل شراسه وعنفا‏,‏ وظلت وتيرتها تتصاعد مع الوقت‏,‏ وحينما حل يوم الانتخابات كان هناك الكثيرون يرون ان هذه الانتخابات اما ستشكل عمليه مخاض كبري تودي الي الاقرار بصلاحيه اهم اسس واليات الديمقراطيه الرقميه التي يبشر بها العديد من الخبراء والمسئولين في صناعه تكنولوجيا المعلومات وعالم السياسه علي السواء‏,‏ او تقود الي عرقله واعاقه هذه التوجه لفتره من الوقت تظل خلالها الديمقراطيه الرقميه مجرد طموحات‏,‏ والان وبعد انقشاع غبار المعركه الانتخابيه يصبح السوال‏:‏ ما طبيعه التاثير الذي احدثته الانتخابات الامريكيه الاخيره علي ظاهره الديمقراطيه الرقميه‏,‏ وهل اعاق هذا التاثير تقدم الظاهره ام اعطاها دفعه؟‏(‏ واهميه الاقتراب مما جري مبعثه اننا جزء من هذا العالم المتغير والمتشابك‏,‏ ولدينا تجربه ديمقراطيه يجري السعي لتطويرها ولا يجب ان تكون بمناي عما يشهده العالم من جهود دءوبه في مجال الديمقراطيه الرقميه‏,‏ وقبل الدخول في تفاصيل ما جري خلال الانتخابات الامريكيه نتناول اليوم وبشكل سريع ظاهره الديمقراطيه الرقميه علي مستوي المعني والمغزي‏).‏

لقد تطورت اساليب ممارسه الديمقراطيه سنوات طويله بدءا مما كان يطلق عليه الديمقراطيه المباشره ابان فتره الحضاره الاغريقيه القديمه التي كان يجلس فيها الحاكم وشعبه وجها لوجه‏,‏ ويحدث بين الطرفين اتصالا مباشرا يعبر فيه الشعب عن ارادته ويتخذ قراراته‏,‏ ثم بروز اشكال اخري من الممارسه الديمقراطيه‏,‏ تطورت حتي وصلت الي الديمقراطيه النيابيه الحاليه التي تقوم علي وجود نواب يختارهم الشعب لتمثيله امام الحاكم‏,‏ واعتمد الاختيار علي صندوق الانتخابات الذي يدلي خلاله كل مواطن برايه واختياراته في نوابه وحكامه وفي القضايا التي يتعين فيها الحصول علي رايه مباشره كما هو الحال عند الاستفتاء علي قضيه ما‏.‏

بالتوازي مع ذلك كان العصر الرقمي يتشكل شيئا فشيئا‏,‏ وتسارعت خطاه خلال السنوات الاخيره‏,‏ وكما هو معروف فان صفه الرقمي ماخوذه من اسلوب جمع وتخزين وتداول البيانات والمعلومات عبر وسائط تخزين وتبادل المعلومات الذي افرزته ثوره تكنولوجيا المعلومات والاتصالات‏,‏ ففي هذا الاسلوب يتم تخزين اي بيانات او معلومات علي الحاسبات في صوره ارقام تتخذ شكل الصفر والواحد فقط بطريقه تتيح تخزين كميات هائله جدا من المعلومات والبيانات علي وسائط او حيز تخزيني صغير جدا‏,‏ كما تتيح تبادل ونقل هذه البيانات الهائله بسرعه وسهوله شديده بين الحواسب المختلفه المشتركه في شبكات المعلومات مهما كان عددها وتباعدت اماكنها‏,‏ علاوه علي سهوله تشفير وتكويد هذه البيانات وضعطها وتصغير حجمها بنسبه تتجاوز‏100:1‏ من الحجم الاصلي لتسافر عبر الشبكات‏,‏ ثم اعاده فك هذا الضغط عند الطرف الاخر الذي يستقبلها ليراها كما هي‏,‏ وذلك كله في سرعه مذهله تقاس بكسور من الثانيه‏.‏

ومع التطور المتلاحق في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات تغلغلت ادوات العصر الرقمي في شتي مناحي الحياه‏,‏ فوجدنا مجالات كالطب والزراعه والهندسه والتعليم والتجاره والترفيه تتجه بقوه وتستخدم اليات العصر الرقمي المختلفه‏,‏ وظهرت الانترنت بقدراتها الجباره وخدماتها المتنوعه‏,‏ وتمشيا مع ذلك كان لابد ان تدخل الديمقراطيه علي الخط نفسه وهو ما حدث بالفعل وان كان متاخرا بعض الشيء مقارنه بالعديد من هذه المجالات‏,‏ وتمثلت النافذه التي اطلت منها الديمقراطيه علي العالم الرقمي في ان تبادل البيانات والمعلومات بالصوره الرقميه فتح قنوات اتصال واسعه ولانهائيه بين الحكام والمواطنين‏,‏ يتم من خلالها تبادل ملايين المعلومات والبيانات الحامله للاراء والروي والاصوات الانتخابيه في ثوان معدوده‏.‏

من هنا يمكننا القول ان ظاهره الديمقراطيه الرقميه تعتبر وليده المصاهره العميقه التي تصل الي حد التلاحم بين ادوات ممارسه المواطن لحقوقه السياسيه والديمقراطيه من ناحيه وبين منجزات ثوره تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من ناحيه اخري‏,‏ ومن ثم فهي ليست اختراعا لنوع جديد من الديمقراطيه بل ممارسه للديمقراطيه المعروفه بادوات واليات جديده‏,‏ بعباره اخري هي قيام المواطنين والحكومات معا باستخدام منجزات ثوره المعلومات كوسيله فعاله في تفعيل جوهر الديمقراطيه المتمثل في المشاركه الحقيقيه في اختيار الحكام والمسئولين‏,‏ والمشاركه الحقيقيه في اتخاذ القرار‏,‏ والحريه الكامله في التعبير عن الراي‏,‏ والتقويم الحقيقي للاداء والفعاليه في المحاسبه وتصحيح الاخطاء‏.‏

وعلي المستوي العملي يتجسد ذلك في تغيير وتحديث اليات الممارسه الديمقراطيه لتعمل بادوات تكنولوجيا المعلومات‏,‏ فتتم ممارستها بشكل الكتروني رقمي‏,‏ وفي مقدمتها اليه الانتخابات وما تتضمنه من اليات فرعيه خاصه بها كالحملات الانتخابيه واعمال الدعايه والتواصل مع الناخبين‏,‏ ثم نظم التصويت وتجميع وفرز وعد الاصوات واعلان النتائج ثم اليه استطلاعات الراي واليه الاستفتاءات السريعه علي القرارات واليات حريه التعبير عن الراي‏,‏ بحيث يقوم الحكام والمواطنون علي السواء باستخدام هذه الادوات الكترونيا ورقميا بشكل جزئي او كلي‏.‏

وانطلاقا مما سبق وضع الكثيرون تصورات وسيناريوهات متعدده للديمقرطيه الرقميه‏,‏ ففي مجال الانتخابات والتصويت مثلا راي البعض انه من الممكن ان تقوم السلطات المختصه ببناء نظام علي شبكه معلومات قويه ليعمل كمقر انتخابي مجمع علي مستوي مدينه او محافظه مثلا‏,‏ ويضم قاعده بيانات تسجل بها كشوف باسماء وعناوين وسن ووظيفه من لهم حق التصويت‏,‏ ويقوم كل من لديه حاسب شخصي بالمنزل بالدخول علي الشبكه ليجد امامه كل المعلومات عن المرشحين والعمليه الانتخابيه‏,‏ كما تظهر امامه ورقه الاختيار بين المرشحين‏,‏ وما عليه سوي ملء استماره بيانات كالتي يملاها في المقر الانتخابي العادي‏,‏ ثم يختار مرشحه المفضل ويضغط علي زر موافق من الحاسب الشخصي‏,‏ فينتقل رايه فورا الي المركز الرئيسي بشبكه المعلومات‏,‏ ليوضع في قاعده البيانات ويضاف صوته اوتوماتيكيا الي السجل الخاص بالمرشح الذي اختاره دون تدخل من احد‏,‏ وفي الوقت نفسه تكون نتيجه الانتخابات متاحه علي الشبكه لجميع الناخبين والمرشحين بحيث يعرف الجميع نتائج عمليه التصويت اولا باول‏,‏ ويمكن ان يعمل مثل هذا النظام علي شبكات معلومات مغلقه او شبكه مفتوحه كالانترنت‏.‏

هكذا بدا الحديث عن انتخابات رقميه تتسم بالفوريه والسهوله والبعد عن التزوير‏,‏ لان راي المواطن تتم معالجته اليا دون تدخل من احد منذ لحظه ارساله من الحاسب الشخصي وحتي ظهور النتائج النهائيه لعمليه المشاركه سواء كانت تصويتا في انتخابات او استفتاء او استطلاعا للراي‏,‏ كما انه ليس باستطاعه احد التصويت مرتين او التصويت باسم مختلق باسم شخص ليس له حق التصويت‏,‏ لان كل هذه المحاولات سترفض فورا من قاعده البيانات‏,‏ ولن يسمح لها بالدخول مادام الناخب غير مسجل بجداول الانتخابات بقاعده البيانات ضمن من لهم حق التصويت او ادلي برايه من قبل‏.‏

توسعت السيناريوهات وتنوعت لتشمل جميع اليات ممارسه الديمقراطيه وليس الانتخابات فقط‏,‏ فظهرت تجارب ناجحه استخدم فيها مواطنون حاسباتهم الشخصيه بالمنازل في معرفه جميع المعلومات المتعلقه بالقضيه التي يجري الاستفتاء حولها‏,‏ والمشاركه في استطلاعات الراي‏,‏ وبث رسائل الكترونيه بمواقفهم تجاه المسئولين الحكوميين علي اختلاف مستوياتهم‏,‏ ووصل الامر احيانا ان وزيرا اوروبيا استفتي شعبه في فرض ضريبه جديده مستخدما في ذلك الرسائل النصيه القصيره عبر المحمول‏.‏

وتسعي الديمقراطيه الرقميه من وراء ذلك كله الي تحقيق قيمه مضافه تتمثل في فوريه الممارسه الديمقراطيه وشفافيتها الكامله وسهولتها التامه والوصول بالياتها الي اعلي مستوي ممكن من الدقه‏,‏ علاوه علي السير بها صوب الممارسه الديمقراطيه المباشره دون وسيط قدر الامكان لتكون بحق ثوره سياسيه صنعتها تكنولوجيا المعلومات‏.‏

وتحتاج الديمقراطيه الرقميه مواطنا موهلا ومدربا وذا وعي تكنولوجي‏,‏ ومن ثم فهي لا تناسب شعب او دوله لا تملك انتشارا واسعا لشبكات المعلومات وفي مقدمتها الانترنت‏,‏ وفي هذا الصدد يطرح بعض خبراء هذا النوع من الديمقراطيه ان تتاح للمواطنين الذين لايملكون حاسبات شخصيه او قدرات العمل علي الحاسبات فرصه التصويت الكترونيا‏,‏ حيث يتم تزويد مراكز الاقتراع العاديه بحاسب شخصي متصل بشبكه معلومات بالمقر الانتخابي المجمع علي مستوي المدينه او المحافظه‏,‏ ويزود المركز بفني او متخصص يساعد المواطنين في الادلاء باصواتهم عبر الشبكه بدلا من الكتابه في ورقه تطوي وتوضع في صندوق يفرز يدويا‏.‏

وفي كل الاحوال لابد من وجود ديمقراطيه تقليديه اصلا لكي يتم تحويلها الي رقميه‏,‏ ومن قبيل العبث الحديث عن ديمقراطيه رقميه في دوله ليس لديها قيم وتقاليد وتجارب ديمقراطيه راسخه تحظي بالاحترام من قبل حكامها ومواطنيها علي السواء‏.‏

وفي الانتخابات الامريكيه الاخيره كانت نظم التصويت هي اكبر نقطه دار حولها الجدل بين دعاه الاعتماد علي نظم التصويت الالكتروني ودعاه الاعتماد علي نظم التصويت الورقي راجع ما نشر عن تفاصيل الصراع بين الجانبين بهذه الصفحه يومي‏26‏ اكتوبر و‏2‏ نوفمبر وقبيل يوم الانتخابات كانت حاله القلق والاستقطاب قد بلغت مدي كبيرا بين المسئولين الذين اتخذوا قرارات بالاعتماد علي نظم التصويت الالكترونيه ومن انتجوها من جانب وبين من تخوفوا من حدوث مشكلات كبري تفسد العمليه الانتخابيه وتصيبها بالانهيار من جانب اخر‏,‏ خاصه فيما يتعلق بالمشكلات الامنيه وعمليات الاختراق والخوف من التلاعب باصوات الناخبين‏,‏ وتكشف الكتابات التي تناولتها وسائل الاعلام الامريكيه عن ان يوم‏2‏ نوفمبر كان هو يوم الحسم وتحديد المصير بالنسبه لنظم التصويت الالكترونيه فما الذي حدث؟
الي الاسبوع المقبل‏


0 Comments:

Post a Comment

<< Home