Tuesday, November 30, 2004

http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/scince-13/scince1.asp


الحرب الإلكترونية.. إلى أين؟





خبراء عصر المعلومات يجمعون اليوم على أن العقود القليلة القادمة قد تشهد تحولاً مدهشاً للعالم إلى مدينة ذكية صغيرة، مع ربطها بالكامل بالأقمار الصناعية في الفضاء الخارجي، كما يجمعون على أنه إذا استمر معدل التقدم الحالي للحاسب الآلي في مجال الصناعة والزراعة والطب والبحث العلمي وغيره من المجالات والأنشطة الإنسانية فإن ذلك سوف يؤدي حتماً –وفي بضعة عقود قادمة- إلى رخص مذهل في أسعار مختلف السلع الإنتاجية، على نحو قد تصبح معه السلع الإنتاجية كالأغذية، والسيارات، وغيرها شبه مجانية.

وحيث إن ثورة المعلومات وشبكاتها الآلية العملاقة، وما ترتبط به من تكنولوجيات متطوِّرة ذات مستوى رفيع تمنح الفرصة لمن يملكها بأن تكون له السيطرة العليا والسيادة والتفوق الحاسم في ميادين الحروب فيا تُرى كيف يمكن استخدام الحاسبات الآلية في الحروب؟! وما هي أسلحة المستقبل التي تُصنّع حاليًا وراء جدران المعامل؟ وما هي التوقّعات المستقبلية للحروب الإلكترونية؟ وإلى أي اتجاه تقود البشرية؟

(1) أسلحة جديدة في ميادين الحروب:

(أ) غارات وقنابل إلكترونية

حدث في سكون وكتمان إطلاق أول تجربة للسلاح الجبار، الذي تمّ باستخدامه عملياً لأول مرة نقل أساليب الحروب العسكرية التقليدية إلى دنيا الغد، وحروبها التي ربما تغير معها مسار التاريخ. التفاصيل لا تزال تُغَلِّفُها طيات من السرية، ومع ذلك، ولأن أمريكا بلاد تجيد تسريب الأسرار.. فقد بدأ خبراء ومسئولون يقررون أن هجوماً إلكترونياً شنّته أمريكا خلال غارات حلف الأطلنطي في ربيع 1999 أثناء حرب كوسوفا وقع على نظم كمبيوتر الصرب اليوغسلافي في أول ممارسة مباشرة لحرب إلكترونية!.

المؤكّد مما تسرَّب أن ذلك الهجوم قد أدّى إلى توقّف الشبكة الرئيسية في يوغسلافيا، فتوقّفت فيها نظم الكمبيوتر الخاصة بالدفاع الجوي، والتي كانت مهمتها استهداف طائرات حلف الأطلنطي لضربها بالصواريخ، وأدّت إلى بثّ رسائل للخداع وتضليل قوات الصرب؛ هذا غير استهداف شبكة التليفونات الرئيسية بهدف دفع القيادة الصربية في بلجراد إلى الاتصال بقواتها عن طريق التليفون المحمول؛ وهو ما سهّل على الأمريكيين مهمة اختراق المكالمات!؛ فأمريكا لديها إمكانيات تقطيع أنفاس العدو في مسألة تحصيله المعلومات، بل بإمكانها أن تزرع معلومات مضللة وبث فيروسات تمحو ذاكرة الشبكة الرئيسية، بل وتمنع تدفّق الأموال وتغير مسار الودائع.

خلال العمليات العسكرية التي شنّتها قوات حلف شمال الأطلنطي ضد الصرب.. قصفت الطائرات الحربية الأمريكية محطات الكهرباء الصربية بقنبلة إلكترونية جديدة أدّت إلى إغراق ثلاثة أرباع أراضي يوغسلافيا السابقة في الظلام، يطلق على هذه القنبلة الإلكترونية اسم "CBU94"، وقد ألقتها طائرة أمريكية من طراز "F117" المعروفة باسم "الشبح" على 5 محطات طاقة صربية، وعلى ارتفاع معيَّن انفجرت القنبلة وخرجت منها ملفات سلكية خاصة انتشرت في الجو كشبكة العنكبوت فوق خطوط الضغط العالي فعطلتها، مما أدى إلى اشتعال النيران في المحطات، وتوقفت مراكز توزيع الطاقة اليوغسلافية عن العمل، وتوجد بداخل القنبلة "CBU94" عدة قنابل أخرى تنطلق من داخلها في الجو، وكل واحدة منها مزوَّدة بمظلة صغيرة، ثم تخرج من هذه القنابل أيضاً ملفات مصنوعة من الرصاص الكربوني هي التي تُكَوِّن الشبكة الإلكترونية عند اقترابها من الأرض؛ بحيث تصيب محطات الطاقة الكهربائية والاتصالات التليفونية بالشلل التام، ورغم أن هدف هذه القنابل الأساسي هو تعطيل نظم الاتصالات العسكرية والتشويش على وسائل الدفاع الجوي.. إلا أن الحياة المدنية تأثرت أيضاً نتيجة لتوقف محطات توليد الطاقة الكهربائية عن العمل.

(ب) الأسلحة الناعمة!

أنتج حلف الأطلنطي "الناتو" جيلاً جديداً من الأسلحة، أُطلق عليها اسم "الأسلحة الإنسانية الناعمة" والتي يمكنها أن تحل محل الأسلحة التقليدية والحديثة، وتحقق الأغراض نفسها، دون تحقيق دمار واسع، أو الإيقاع بضحايا، أو الإضرار بالبيئة!

وبدلاً من عمليات القصف الجوي -كما جرى في كوسوفا-.. فإن طياري حلف "الناتو" سيلقون أنواعاً من الصمغ تستطيع إلصاق الدبابات في الأرض ومنعها من الحركة، كما أن هناك موادّ تُلقى على الطرق تستطيع تدمير السيارات المارة، وذلك بدلاً من قص الطرق السريعة بالقنابل. كما أنه من بين الأسلحة الناعمة أيضاً موسيقى معينة تدفع جنود الأعداء للتقيؤ بدلاً من تمزيقهم بأسلحة تحتوي على اليورانيوم. كما أوضح الخبراء أن هناك أيضاً أسلحة مثل الضوضاء الزاعقة، والرائحة الكريهة، والأصوات العالية المؤلمة وغيرها، وعلى الرغم من أن هذه الأسلحة غير مميتة.. فإنها مرعبة للغاية، وتحقق أهدافها بشكل شبه كامل.

(جـ) أسلحة المجالات الذبذبية

الأسلحة المتوقع استخدامها في الحروب في القرن القادم ليست الأسلحة البيولوجية التي يتحدثون عنها الآن.. وإنما ستكون الأسلحة من نوعية المجالات الذبذبية. إنها تسمى "الحرب النظيفة".. لأننا من خلالها نستطيع تسليط بعض المجالات الذبذبية التي لا يشعر بها الناس؛ ولكنها تسبب أعراضاً واضحة وضارة مثل التعب المزمن، والعصبية الشديدة، وعدم التركيز والتوتر وهبوط المناعة بشكل واضح، والتدخل العلاجي هنا هو تدخل المهندس وليس الطبيب؛ لأن المهندس الدارس لهذه العلوم هو الذي سيكتشف السبب الحقيقي وراء هذا الخلل.

(2) توقعات مستقبلية إلكترونية:

إن أغرب ما يُتوقع أن يصل إليه التطور في مجال استحداث أسلحة جديدة هو إمكانية عمل برمجة خاصة للكمبيوتر لتقليد الصوت الحقيقي لأحد الشخصيات، ولنفترض أنهم لو برمجوا تقليداً طبق الأصل لصوت قائد قوات جيش ما فإنهم سيجعلونه يصدر على سبيل المثال أوامر تضر بقواته أو تفيد أعداءه وهلم جَرًّا!

ومن الأهداف السهلة التي في متناول أي هجوم إلكتروني أُسس البنية التحتية المدنية مثل شبكات التليفونات العامة ومرافق إنتاج وتوزيع الكهرباء والغاز، وموارد المياه وخدمات الطوارئ والنظم المالية والسكك الحديدية والمطارات. ويراهن الأمريكيون على الأثر البالغ الذي يفوق القنابل والذي تحدثه فرقعة إلكترونية على الساكت في وظائف بعض مثل هذه الخدمات، ناهيك عن افتقادها جميعها؛ فهذا كفيل بشل إمكانيات أي جيش وسحق معنوياته. وأما عن دعم المجتمع المدني لجيشه فسوف ينهار إلى الحضيض مع الفوضى التي ستصيب المدن في الصميم.

(3) الحرب الإلكترونية: البداية أمريكية والبادي أظلم:

ربما -لحكمة ما- لا تحتكر أمريكا هذا السلاح الجديد، وربما تكون هي الأكثر انغماسًا في تطوير وسائل الحرب الإلكترونية بحكم الإمكانيات، بل قد تكون هي الهدف الأمثل لمثل هذه الحرب باعتبارها القاعدة الواسعة والأنظمة المفتوحة نسبياً لنظمها الإلكترونية.. فما لا يقلّ عن 46% من إمكانيات العالم الإلكترونية مركزها أمريكا؛ حتى يمكن اعتبارها نقاط الضعف التي قد تصيب في مقتل! ولذا فإن تحصين نظمها هو الشغل الشاغل لعلمائها، وليس بغريب أن يخصص الرئيس الأمريكي ملياري دولار لوسائل الدفاع الإلكترونية والتحصينات!.

إن أي دولة ممن ليس بمقدورها أن تتحدى قوات أمريكا التقليدية وترسانتها النووية قد تستطيع أن تنال منها بهجوم إلكتروني! بل والأدهى أنها تستطيع أن تقوم بغارتها دون أن تترك أثراً يشير إليها أو يشي بها؛ وبهذا تتحاشى الضربات الانتقامية التي تردع عادة وتجعل مجرد التفكير في مثل ذلك ضرباً من المستحيل! المرعب في الأمر للأمريكيين أنهم يعرفون أن ما لا يقل عن 23 دولة لديها حالياً إمكانيات شن غارات إلكترونية مع السرية المكفولة.

وقد تحول هذا الرعب إلى حقيقة فقد حدث ما بين يناير ومايو 1999م أن قامت جماعة من الروس باقتحام إلكتروني لشبكات البنتاجون بحثاً عن معلومات معينة، ولكن فشلوا في محاولة الاختراق وخابت المحاولة!، والصينيون أيضاً هاجموا بضعة مواقع حكومية في أمريكا منها موقع وزارات الطاقة، والداخلية، والبيت الأبيض وتمكنوا من إصابتها بشلل مؤقت في ثلاث مناسبات، وحدث ذلك في أعقاب ضرب سفارة الصين في بلجراد بالقنابل في شهر مايو 1999 والتي بررها الأمريكيون بالخطأ غير المقصود ولم يقتنع الصينيون! ويدَّعي الأمريكيون أن النقاش دائر في المستويات العليا للقيادة العسكرية في الصين حول ضرورات إعداد إستراتيجية "حرب قذرة" من دواعي الاحتياط بحيث يمكن إذا لزم الأمر تسليط فيروسات تنهش أنظمة الكمبيوتر لدى العدو تحسباً للطوارئ.

(4) الحرب الإلكترونية…إلى أين؟

وهكذا وبدون إعلان أو شوشرة.. انطلقت أول فصول الحرب الإلكترونية! وهو تطور يحبس الأنفاس من فرط الأثر والدلالة؛ إذ بين أهل الخبرة والمعرفة من يساوي بين هذا الحدث في الأهمية وبين استخدام القنابل لأول مرة في الحرب العالمية الأولى، بل وبإسقاط أول قنبلة نووية على هيروشيما في نهاية الحرب العالمية الثانية! والقول "بأن الحرب الإلكترونية قد ركبتنا فسبقتنا دونما استعداد منا للعواقب الأخلاقية والمعنوية والقانونية المترتبة عليها" قد يكون في هذا القول تلخيص للموقف كله! والذي قال هذا "جون أركيلا" -الأستاذ في الأكاديمية البحرية للدراسات العليا في مونتريى بكاليفورنيا- وهو أحد أكبر الخبراء في ضروب حروب المعلومات.

ثم إن "أركيلا" هذا يعاون البنتاجون حالياً في طرق تناول توابع مثل هذه المعارك "على نحو توابع الزلازل"؛ إذ يرى في هذه المعارك المستحدثة إمكانيات واعدة، بمثل ما تحمله من شر مُسْتَطَر على متسع رقعة العالم، حتى إنه يدعو إلى تبني أمريكا لسياسة "عدم المبادأة" في الاستخدام ضد أهداف مدنية وتدعو إليها بين الدول تماماً كما يتخذ مع الأسلحة النووية سواء بسواء! إنما ليس كل المفكرين في أمريكاـ من الباحثين عن صياغة معنوية لهذه الوثبة غير المحسوبةـ يشاركون هذا الرأي فمنهم من يرى في الهجوم بالسلاح الإلكتروني خياراً آخر للحروب دون إراقة نقطة دماء؛ فلا دمار في المدن، ولا انهيارات في المباني، ولا صواريخ ولا قنابل، ولا ضحايا في الأرواح على النحو المعهود في المعارك والحروب!.

(5) دعوة للحوار:

دعونا نتساءل الآن إذا كان الضرب بالقنابل والغزو المباشر هما من أعمال التعدي التي تشرع الرد العسكري بالمقابل، فما هو التصرف إزاء حالة هجوم إلكتروني يصعب إن لم يستحل التأكد من مصدره؟! ثم ما هو الرد المناسب على مثل هذا الغزو في حالة التأكد من مصدره؟ هل يكون بغزو إلكتروني مقابل؟ أم بضربات الصواريخ وأيهما أردع؟! وهل استخدام السلاح الإلكتروني سيدعو الآخرين أو يبيح لهم شن حروب وقائية فتتحول المدن جميعها إلى خط أول في المعركة؟! وهل سهولة استخدام الإلكترونيات في الحروب ستكون عنصر تشجيع أم عامل ردع؟ وأي الأهداف تلك التي تدخل في باب المشروع؟ فمن حيث القنابل الجوية تعارف العالم على تحاشي الأهداف المدنية قدر الأماكن، إنما الهجوم الإلكتروني على الشبكات الرئيسية لإحدى الدول يؤدي إلى مصائب أكبر للمدنيين من إسقاط صاروخ، لنفترض أن أمريكا قامت بهجوم إلكتروني على بنك في باريس أو في سويسرا مثلاً بهدف "لخبطة حسابات أحد الزعماء الأعداء" فهل يعتبر هذا العمل تعدياً على سيادة هذه الدولة؟! وأي نوع من الرد ينبغي أن يكون حينئذ ؟ ربما لن نجد إجابات حتى الآن، وربما لن نجد إجاباتها قبل وقوع "الفأس في الرأس" وعندئذ يكون لكل مقام خطاب وجواب!.




0 Comments:

Post a Comment

<< Home