Tuesday, August 10, 2004

http://ait.ahram.org.eg/Index.asp?DID=8209&CurFN=MAKA0.HTM


علي هامش الإقبال الكبير
علي نظام تشغيل لينكس بعد طرحه مع مجلة لغة العصر
المصادر المفتوحة‏..‏ منهج للتنمية وليست صراع منتجات


لم يفاجئنا الاستقبال الرائع الذي حظي به نظام تشغيل لينكس ـ المفتوح المصدر ـ عقب طرحه لأول مرة في مصر علي نطاق واسع مع العدد الأخير من مجلة لغة العصر‏,‏ فنحن مقتنعون بأن السواد الأعظم من هذا الشعب ـ علي اختلاف شرائحه العمرية والاجتماعية والمهنية والمعيشية ـ يقدر قيمة المعرفة‏,‏ ويتقبل دائما أي مسار يضيف إليه مزيدا من العلم ويساعده في الانفتاح علي العالم ومعارفه الجديدة‏,‏ وأنه يحتاج فقط إلي فرصة لكي يثبت جديته‏,‏ ولا نبالغ إذا قلنا إن هذه الاستجابة تسقط دعاوي كثيرة قيلت بالحق والباطل وحرص أصحابها علي التشكيك في جدوي اعتماد المصادر المفتوحة كمنهج في عملية التنمية المعلوماتية الشاملة الجارية بالبلاد بدعوي أن الناس لن تتقبل هذا المنهج‏,‏ ولن تستطيع فهمه والتعامل معه‏,‏ ولكن المدهش مثلا أن طفلا في الصف الخامس الابتدائي وشيخ ناهز الخامسة والستين اتصلا ليعبرا عن أنهما في غاية السعادة بنظام التشغيل الجديد‏,‏ ويؤكدان حرصهما علي تشغيله والعمل به من اليوم الأول

ومن أجل الطفل والشيخ وعشرات الآلاف الذين حصلوا علي النظام من المجلة ودخلوا علي الموقع أو اتصلوا تليفونيا أو بالبريد الإلكتروني أو شاركوا في المنتدي الخاص به علي الإنترنت ومن أجل كل من سمع عما حدث وينقصه معلومات حول ما قمنا به‏,‏ سأحاول من اليوم تقديم خلفية مبسطة لما يجري عالميا تحت راية المصادر المفتوحة منطلقا في ذلك من الوجه الحقيقي لهذه الحركة‏,‏ باعتبارها منهجا فكريا للتنمية الشاملة والإبداع الحر وآلية رحبة لمناهضة الهيمنة والاحتكار وليس مجرد صراع تجاري بين منتجات بالأسواق أو معركة بين لينكس وويندوز كما يصورها بعض ممن يحرصون علي تسطيح القضايا وتقديمها للناس بشكل ساذج فارغ المضمون‏,‏ وبناء علي ذلك لن أتحدث عن نظام تشغيل لينكس ولكن عن الفكر والمنهج الذي أتي به‏.‏

لماذا طرح القضية علي هذا النحو؟
لأن موقع لينكس داخل حركة المصادر المفتوحة عالميا أشبه بموقع ثمرة واحدة يانعة في شجرة وارفة باسقة بها مئات الثمار داخل حديقة فسيحة الأرجاء تحتضن مئات الأشجار المثمرة والنباتات المتنوعة‏,‏ ولذلك فإن من يجد أمامه هذه الحديقة الغناء لا يمكنه بأية حال اختزالها بكاملها في ثمرة واحدة انتجتها إحدي أشجارها‏,‏ وكذلك الحال فإنه من الخطأ في العرض والفساد في الرأي أن نختزل منهجا متكاملا ـ للتفكير والتنمية والإبداع الحر في البرمجة والتصنيع والبحث العلمي وصناعة المحتوي ـ في منتج واحد أفرزه هذا المنهج‏...‏ فما هو منهج المصادر المفتوحة‏opensource‏ ؟

لنتناول الجزء الأول من المصطلح وهو المصادر‏:‏
لو نظرنا إلي ما هو موجود بين أيدينا الآن من منتجات وخدمات وأدوات وبرامج وأجهزة علي اختلاف أشكالها وأنواعها وأحجامها في شتي مجالات الحياة‏,‏ سنجدها جاءت بالأساس نتيجة قيام الإنسان بتخيل وابتكار وإبداع أشياء جديدة وتطويرها وتحسينها طوال الوقت مستندا في ذلك إلي ما تراكم لديه من قواعد وقوانين وخبرات علمية وعملية وتكنولوجية‏,‏ ولذلك فإن أي شيء من هذه الأشياء ـ كبر أو صغر بسيطا كان أو معقدا رخيصا أو باهظ الثمن ـ لابد أن يكون وراؤه ما يعرف بالحصيلة المعرفية‏knowhow‏ التي تتجسد فيها التفاصيل الكاملة للجهد الإبداعي أو البحثي أو الخبرة العملية الذي نجح صاحبه ـ أو أصحابه ـ في إنتاجه وتشكيله ووضعه في إطار محكوم بقواعد معينة تجعله يشكل مصدرا‏source‏ للمعرفة أو سر الصنعة الخاصة به والذي يتيح لمن يملكه أو يطلع عليه أن يعرف كيف أنتج هذا الشيء وكيف يعمل وكيف يمكن الاستفادة به وما الذي يحمله من إبداع وكيف يمكن الإضافة إليه والحذف منه لتحسينه أو تعديله‏,‏ لأن المصدر أو سر الصنعة يضم كل شيء أبدعه المبدع من أكواد ورسوم ومعادلات ومعلومات وبيانات وخلافه‏.‏

ولأن الحياة الآن تعتمد كلية وفي أدق تفاصيلها علي عدد لا نهائي من الأجهزة والأدوات والمنتجات‏,‏ فقد أصبح الإنسان محاطا بعدد لا نهائي أيضا من المصادر المحتوية علي أسرار الصنعة أو الحصائل المعرفية التي تتزايد من حوله كل يوم بمعدلات متسارعة‏.‏

أما الجزء الثاني من المصطلح فهو مشتق من الانفتاحية‏openness‏ ومن معانيها‏:‏ طريقة في العمل تتبعها مجموعات من الأفراد والمنظمات ويتم بمقتضاها ممارسة العمل بشكل منفتح علي بعضها البعض‏,‏ بما يسمح بالإدارة المشتركة والوصول المشترك والحر دون قيود للمعلومات والموارد اللازمة لتنفيذ المشروعات وإدارة المؤسسات‏,‏و بمايتيح لطيف متنوع من المستخدمين والمنتجين والموظفين والمبدعين ـ في جميع المستويات الإدارية باختلاف أنماطها ـ المشاركة في كل شيء بانفتاح كامل خاصة فيما يتعلق باتخاذ القرارات‏.‏

وظاهريا قد يبدو أن هناك تباعدا بين المعني الاصطلاحي لكل من المصادر‏sources‏والانفتاحية‏openness,‏ ولذلك ربما يتبادر إلي ذهن البعض تساؤل حول دواعي اجتماع هذا مع ذاك ليخرج لنا في النهاية ما عرف بالمصادر المفتوحة‏opensource.‏

والحقيقة أن بداية رحلة التلاقي بين المعاني والأهداف التي يحملها المصطلحين قديمة للغاية‏,‏ وبعض الكتابات ترجعها إلي عصر النهضة الأوروبية‏,‏ فما حدث فعليا خلال قرون طويلة أن معظم من اجتهد وأبدع وأنجز حصيلة معرفية ونجح في تحويلها إلي مصدر يحوي سر صنعة خاصة بمنتج ما رغب في حجبها عن الآخرين والاحتفاظ بتفاصيلها لنفسه حتي يظل هو وحده القادر علي إنتاج الشيء المبني علي هذه الأسرار ثم تحسينه وتطويره وتعديله مع الوقت‏,‏ فيما يترك للآخرين شراءه وتشغيله فقط وتولدت هذه الرغبة لدي الأفراد والجماعات والمؤسسات علي السواء‏,‏ بهدف الحصول علي عائد من وراء إبداعاتهم‏,‏ وشيئا فشيئا تحولت الرغبة إلي فعل‏,‏ ثم انتهي الفعل إلي قوانين تطورت حتي صارت تعرف حاليا بقوانين حماية الملكية الفكرية علي اختلاف أنواعها‏.‏

وبمرور السنين ترسخ هذا المنهج في العمل والإبداع وأصبح طريقا شائعا في التعامل مع كل ما يخرجه العقل البشري من مصادر تحمل أسرارا معرفية وإبداعية في شتي المجالات‏,‏ كالبرمجيات والاتصالات وصناعة الدواء وصناعة الإلكترونيات وصناعات النقل كالسيارات والطائرات والسفن وصناعات الملابس وصناعات العطور ومستحضرات التجميل وغيرها‏,‏ فأصبح هناك رصيد هائل من المصادر والحصائل المعرفية المحجوبة التي لا يعلم عنها أحد شيئا سوي من أبدعوها وباتت تعرف بالمصادر المغلقة‏,‏ ومع توالي التراكم تحولت قوة الحجب والإغلاق إلي بيئة خصبة لم تحقق فقط العوائد المشروعة لأصحابها‏,‏ ولكنها أفرزت في النهاية احتكارات ضخمة لا تعرف الرحمة ونهمة للربح والنمو والهيمنة بلا حدود‏,‏ ولا تتورع عن توظيف ما تملكه من إبداع مغلق ومحجوب عن الآخرين كوسيلة لامتصاص ثروات من لا يبدعون بقسوة ودون وجه حق في كثير من الأحيان‏.‏

ولأن التفكير البشري يقوم علي التنوع‏,‏ ولأن الفطرة الإنسانية السليمة تنزع دائما لمقاومة الممارسات التي تتسم بالظلم وتركيز السلطة والثروة في أيدي قليلة‏..‏ بدأت أصوات عديدة في العالم تعترض علي ممارسات الشركات والمؤسسات الاحتكارية الكبري عالميا‏,‏ وراحت تبحث عن منهج جديد للعمل والتنمية والبناء يخفف عن المستخدمين والمشترين ومن لا يملكون الإبداع وطأة الوقوع فريسة لأصحاب هذه الاحتكارات والساعين للهيمنة سواء علي الأسواق أو علي المصائر‏.‏

ما ميز أصحاب هذه الأصوات أنهم لم يناضلوا الاحتكارات بمنطق الذين سعوا إلي تحسين البيئة القانونية لتقف في وجه عصف الاحتكارات‏,‏ ولا بمنطق الذين اعتنقوا مباديء وأفكار سياسية مضادة للفكر الذي أفرز الاحتكارات وسعوا لتغييره عبر تبوء مراكز السلطة والقرار‏,‏ ولكنهم بكل بساطة وذكاء توجهوا إلي الإنسان الفرد وفطرته السليمة وحاولوا المقاومة بفعل يتعامل مباشرة مع الحصيلة المعرفية ومفهوم الانفتاح في العمل‏,‏ إذ اعتنقوا فكرة محورية تمثلت في أن مقاومة الاحتكار والهيمنة وبناء خبرات تنموية حقيقية مستقلة تقود الفرد والجماعات حول العالم إلي الحصول علي منتجات وأجهزة أقل سعرا وأعلي كفاءة وأخف في شروط استخدامها وتطويرها هو أمر يمكن تحقيقه من خلال اتباع منهج في العمل يقوم فيه الفرد أو الجماعة طوعا وعن قناعة ورضا بوضع الأسرار أو الحصيلة المعرفية لما يقومون بإبداعه أمام الآخرين دون قيود ليطلعوا عليها ويعرفونها‏,‏ ويكون لهم حق التعديل والإضافة والتطوير‏,‏ علي أن يلتزم الآخرون بالفكر نفسه عن قناعة ورضا بما يقود إلي معارف وحصائل معرفية وأسرار صنعة غير مملوكة لأحد‏,‏ وإنما شارك الجميع فيها بإبداعه طوعا ويمكن استخدامها للوصول إلي منتجات وأجهزة وأدوات مختلفة مفيدة للبشرية تنافس ما يفعله الاحتكاريون وتقوي من شأن المستهلكين والطامحين في موطيء قدم في عالم اليوم والغد‏.‏

بناء علي ذلك فإن هذا المنهج يدعو واقعيا إلي العمل علي توفير حصائل معرفية وأسرار صنعة تتاح أمام الجميع حول العالم‏,‏ومن هنا تلاقي مفهوم المصادر مع مصطلح الانفتاحية في العمل ليخرج المصطلح الجديد المعروف باسم المصادر المفتوحة‏.‏

والمثير في الأمر أن نسبة كبيرة من الرواد الأوائل الذين رفعوا هذه الراية جاءوا من صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالولايات المتحدة التي تربت فيها أكبر الاحتكارات العالمية قسوة وسطوة‏,‏ وهو ما جعل هذه الصناعة تمثل مركز الثقل لأصحاب منهج المصادر المفتوحة‏..‏ وإلي الاسبوع المقبل‏.‏



:‏ جمال محمد غيطاس






1 Comments:

Anonymous وصفات البشرة said...

شكرا لك على هذا الموضوع

5:16 AM  

Post a Comment

<< Home