Tuesday, August 03, 2004

http://ait.ahram.org.eg/Index.asp?DID=8202&CurFN=MAKA0.HTM


قضية يعاني منها قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وحان وقت حلها
صنـــــاعة بــلا معـــــرض‏!‏




عقب الإعلان عن التشكيل الوزاري الجديد‏,‏ كتبت في الأهرام ما تصورته مهاما أساسية أمام وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الجديد في المرحلة المقبلة‏,‏ وقلت إنه بعد الجهود التي بذلت خلال السنوات الماضية في إعادة تأهيل وبناء البنية الأساسية في هذا القطاع‏,‏ بات من الضروري الانتقال لمرحلة جديدة تركز علي توظيف ما تم بناؤه واستدراك العديد من القضايا الحيوية الأخري التي لم تحظ باهتمام كاف وفي مقدمتها قضية بناء الشخصية المميزة لصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المصرية عالميا أو ما اصطلح علي تسميته بالصورة الذهنية والسمعة العالمية الدالة عليها في الأسواق الدولية‏,‏ وهناك عشرات التعريفات والمفاهيم التي تشرح معني الصورة الذهنية‏,‏ وهناك أيضا حزمة متنوعة من الأدوات والآليات والخطط التي يتم اللجوء إليها عند بناء الصورة الذهنية‏,‏ ولست هنا بصدد استعراض المفاهيم والأدوات والخطط‏,‏ ولكن أري أنه حان الوقت لمناقشة آلية مهمة من هذه الآليات وهي آلية المعارض المتخصصة رفيعة المستوي لهذه الصناعة‏,‏ فهي في الحقيقة صناعة بلا معرض وأقصد به المعرض الكبير الذي ينظم داخليا وينبثق من قلب الصناعة ويعبر عنها ويستقطب أكبر قدر من المشاركة الخارجية ويحقق مكانة تجعله مكونا من مكونات بناء الصورة الذهنية لمصر إقليميا وعالميا‏,‏ وآمل أن أجد من يشاركنا بالرأي في هذه المناقشة‏.‏

لعل نقطة البداية هي النظر إلي خريطة معارض تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مصر‏,‏ وهنا يمكنني القول إن ساحة هذه المعارض تشهد‏:‏

ـ معارض البيع والتسوق المباشر‏:‏ وهي تعمل علي المستوي المحلي وتلعب أدوارا وفق الإطار الموضوع لها والإمكانات المتاحة علي مستوي التنظيم‏,‏ وأبرز نموذج علي هذه النوعية المعرض السنوي الذي تنظمه مؤسسة الاهرام اسيتكس‏,‏ ويعمل وفق هذا المفهوم ونجح في أن يكون ملتقي للمستخدم أو المشتري النهائي من جهة والشركات العاملة في السوق المحلية من جهة ثانية‏,‏ وتنفذ خلاله سلسلة كبيرة من عمليات التسوق والشراء وفق عروض تسويقية تناسب قدرات المشتري الفرد أو المستخدم النهائي وهذه ـ علي أهميتها ـ لا تصنف ضمن آليات بناء الصورة الذهنية للصناعة إقليميا ودوليا‏.‏

ـ المعارض العارضة‏:‏ وهي المعارض التي ترتبط بحدث دولي أو إقليمي أو تأتي في إطار التزامات واتفاقات الدولة المصرية خارجيا وأبرز نماذجها إفريقيا تيليكوم الذي عقد بالقاهرة مرتين‏,‏ كانت الأخيرة في مايو الماضي وحقق نجاحا ملحوظا علي صعيد التنظيم وقدم صورة ذهنية ايجابية لمصر علي مستوي الاتحاد الدولي للاتصالات والقمة العالمية لمجتمع المعلومات والعديد من المحافل الدولية الأخري‏,‏ لكن هذه المعارض قليلة العدد وتتم بشكل عارض وليس وفق منهج مستقر من حيث دورية الانعقاد والتوجه العام وخلافه‏,‏ ومن ثم لا يمكن اعتمادها كآلية ثابتة في إجراءات بناء الصورة الذهنية‏.‏

ـ المعارض المعبرة عن الصناعة‏:‏ وهذه يمكن وصفها بأنها فرس الرهان عند المقارنة مع المعارض الأخري فيما يتعلق بإجراءات بناء الصورة الذهنية لأنه يتم تصميمها وتنفيذها لكي تعرض اتجاهات الصناعة عالميا ومحليا حاليا ومستقبلا علي المستوي المتخصص والمستوي العام‏,‏ وعرض اتجاهات السوق محليا وإقليميا‏,‏ وتكون مجالا للتلاقي بين أصحاب الشركات وصناعة القرار ورجال الأعمال في هذه الصناعة محليا وإقليميا ودوليا‏,‏ وتعمل علي توفير سياق مناسب لعقد الصفقات التجارية الكبري والتحالفات واتفاقيات التعاون والبحث عن وكالات أو فرص تصدير وغيرها‏,‏ وتعمل كمنصة لإطلاق المنتجات والخدمات الجديدة التي تعتبر علامات في الصناعة المحلية أو الإقليمية أو العالمية‏,‏ وتتضمن مؤتمرات ومنتديات موازية للصف الأول من قادة الصناعة محليا وإقليميا ودوليا‏,‏ ويواكبها نشاط إعلامي مكثف يتجاوز حدود الدولة والإقليم لينتشر دوليا‏.‏

وفيما يتعلق بهذه النوعية من المعارض في مصر‏,‏ مضت الأمور في مسارين‏:‏ الأول ارتدي طاقية الخواجة بشكل أو بآخر وحاول استيراد معارض ناجحة إقليميا ودوليا وزرعها في مصر باعتبارها إطارا يعبر عن الصناعة محليا وإقليميا‏,‏ وحدثت هذه المحاولات إبان الانتعاشة التي شهدتها السوق المصرية والعالمية في نهاية التسعينيات وعام‏2000,‏ لكن هذا المسار انتهي للاندثار‏,‏ حيث جرت محاولة توسيع أنشطة معرض جيتكس الخليج ليعقد بالقاهرة تحت شعار جيتكس القاهرة وفشلت‏,‏ ثم جرت محاولة استجلاب معرض كومدكس الأمريكي إلي مصر تحت شعار كومدكس القاهرة وفشلت‏.‏

المسار الثاني‏:‏ قاده القطاع الخاص المصري وتمت خلاله محاولات لا تزال جارية حتي اليوم‏,‏ وتستهدف بناء معرض وطني لا يعمل تحت لافتة خارجية‏,‏ ويتم تصميمه وتنفيذه بمفهوم المعارض المعبرة عن الصناعة والمحاولة البارزة في هذا الاتجاه كانت معرض القاهرة للاتصالاتكايروتيليكوم والذي يعقد بانتظام منذ عدة سنوات‏,‏ وتطور خلال السنتين الأخيرتين ليشمل أيضا تكنولوجيا المعلومات والاتصالات‏,‏ فتحول إلي كايروتيليكومب‏,‏ ثم كايرو أي سي تي وقد استطاع هذا المعرض الحفاظ علي الاستمرار وحقق نجاحات في العديد من دوراته بل كان محظوظا في بعض السنوات مقارنة بأي معرض آخر مثلما حدث عام‏2002,‏ حينما افتتحه الرئيس حسني مبارك شخصيا وأطلق من خلاله مبادرة الإنترنت بقيمة المكالمة التليفونية‏.‏

وإذا ما نحينا جانبا المشكلات التنظيمية وبعض نقاط الضعف التي تدخل في باب التفصيلات‏,‏ سنجد أن هذا المعرض يواجه معضلتين مركزيتين الأولي أنه علي المدي البعيد لم يعد لديه خيارات واسعة في الاستسلام‏,‏ لكونه معرضا محلي التأثير لكنه في الوقت نفسه لا يمتلك ـ من الناحية التنظيمية والهيكلية والقدرات المادية والرؤية العامة ـ أدوات وإمكانات كافية تضمن تحوله إلي آلية من آليات بناء الصورة الذهنية للصناعة الوطنية خارج البلاد‏,‏ والمعضلة الثانية أنه يلح في طرح نفسه كصوت أو مرآة معبرة عن الصناعة المصرية كمخرج من المعضلة الأولي لكنه لا يجد لدي الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص منظومة عمل متكاملة تستوعب هذا الطرح وتعمل علي تنفيذه‏.‏

في ضوء ذلك نخلص إلي القول بأنه ليس لدينا حتي الآن معرض يمكن تصنيفه علي أنه أداة من الأدوات المؤثرة في بناء الصورة الذهنية لصناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المصرية إقليميا وعالميا‏,‏ وليس لدينا معرض يجري تفعيله سنويا في إطار منظومة عمل متكاملة أو وفق رؤية عامة تستهدف بناء الصورة الذهنية لهذه الصناعة عالميا ويحظي بالقبول والقناعة والحماس والمشاركة والدعم من قبل جميع الأطراف المعنية بهذه الصناعة بالحكومة وأجهزة الدولة المختلفة والقطاع الأكاديميي والقطاع الخاص سواء كان وطنيا أو ممثلا لشركات عالمية وإقليمية مثلما هو الحال في معرض جيتكس دبي الذي يجري تصميمه وتنفيذه وتطويره كل عام باعتباره أهم أدوات بناء الصورة الذهنية لإمارة دبي في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات‏,‏ ويتم حشد إمكانات الإمارة ككل ومن أعلي المستويات من أجل إنجاحه‏.‏

هذه الأوضاع لم تنشأ مصادفة بل جاءت نتيجة ظروف كثيرة ودون الخوض في التفاصيل أشير فقط إلي ما قلته خلال محاضرة شاركت بها في ندوة حول تحديات الترويج لصناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات نظمتها أخيرا الجمعية العلمية لمهندسي الاتصالات‏,‏ فقد ركزت حديثي حول تتبع موقع قضية بناء الصورة الذهنية والترويج لها في فكر وذهن المخططين والمسئولين عن هذه الصناعة بالبلاد من واقع الخطط التي وضعت للنهوض بهذه الصناعة خلال الفترة من‏1996‏ وحتي يناير‏2004‏ وعددها ثماني خطط‏,‏ ومن واقع مراجعة للوثائق المتاحة المتعلقة بهذه الخطط وجدت أن الاهتمام بالترويج وبناء الصورة الذهنية للصناعة كان إما غائبا تماما أو في نطاق ضيق للغاية‏,‏ فمن بين‏281‏ بندا احتوتها هذه الخطط كان هناك‏18‏ بندا فقط تتحدث عن هذه القضية بشكل أو بآخر وتدلنا هذه الأرقام علي أن القضية لم تكن مدرجة علي هذه الخطط سواء ما لم ينفذ منها أو ما يجري تنفيذه‏,‏ ولذلك فإن أي حديث عن معرض أو معارض قوية تسهم في بناء الصورة الذهنية للبلاد لابد أن يبدأ بتحسين وضعية هذه القضية ومستوي أهميتها لدي واضعي الخطط والقائمين علي تنفيذها لأنه ليس من المنطقي أن نبحث عن شيء غير مطروح علي الذهن أصلا‏.‏

والسؤال الآن‏:‏ ما هي السيناريوهات المطروحة للتعامل مع هذه القضية؟

هناك عدة سيناريوهات يمكن الحديث عنها في هذا الصدد‏:‏
ـ الأول‏:‏
أن يستمر الوضع كما هو الآن دون تغيير‏..‏ لا جهود لبناء الصورة الذهنية ولا معرض أو معارض تسهم في ذلك وهو سيناريو سيء وضار جملة وتفصيلا‏,‏ ولا يمكن قبوله لأنه ليس بإمكان البلاد وصناعتها تحمله‏.‏

ـ الثاني‏:‏
أن يتم البدء من الصفر ويجري التفكير في معرض جديد باسم جديد وهو سيناريو يضيع ما هو قائم وما تحقق خلال السنوات الماضية حتي لو كان ضئيلا وواقعيا لا أستطيع الجزم بعدم المضي فيه من قبل هذا الطرف أو ذاك‏.‏

ـ الثالث‏:‏
أن يتم البدء في تنفيذ منظومة عمل تستهدف بناء الصورة الذهنية لا تلغي ما هو قائم بل تستوعبه وتحرص علي تطويره وتحتضن المعارض القائمة وتدفع بها نحو مستويات أفضل من الأداء الذي يحقق قيمة أعلي للبلاد وللصناعة وللمنظمين‏,‏ وهذا ما نأمله ونستعجل حدوثه وربما يكون استيعاب أو عدم استيعاب معرض أي سي تي المقرر عقده في يناير المقبل في هذه المنظومة هو أول محك حقيقي للحكم علي تنفيذ هذا السيناريو من عدمه‏.‏



:‏ جمال محمد غيطاس
ghietas@ahram0505.net


0 Comments:

Post a Comment

<< Home