Monday, August 23, 2004

http://ait.ahram.org.eg/Index.asp?DID=8223&CurFN=MAKA0.HTM


المصادر المفتوحة‏..‏ منهج للتنمية وليست صراع منتجات‏(3)‏
الفعــاليـــات ومســــارات العمــل الـــرئيسيـــة
أولا‏:‏ حركة الأجهزة والمعدات مفتوحة المصدر



حاولت منذ بداية نشر هذه السلسلة من المقالات حول المصادر المفتوحة‏(opensources)‏ التأكيد علي أننا لسنا بصدد صراع بين منتجات تطرحها هذه الشركة أو تلك‏,‏ ولكننا بصدد منهج يستنهض همم الأفراد والجماعات حول العالم‏,‏ لكي يتشاركوا طوعا وعن قناعة في الإبداع بشكل مفتوح علي بعضهم البعض كنوع من الرفض للنموذج الاحتكاري السائد حاليا‏,‏ والذي يغلق ناتج الإبداع علي أصحابه فقط ويصنع أعباء قاسية تلقي بها القلة المحتكرة للمعرفة علي كاهل الكثرة المتلقية لها‏,‏ وقد شرحت ذلك بشيء من التفصيل الأسبوعين الماضيين في إطار تعريف مصطلحالمصادر المفتوحة والأساس الفكري الذي يستند إليه‏..‏ واليوم أتطرق للفعاليات ومسارات العمل الرئيسية التي بدأ منهج المصادر المفتوحة يسجل فيها نشاطا ونجاحا ملحوظا‏,‏ وهي مسارات تدعم ما قلناه من أننا بصدد منهج يتعامل مع الإبداع والنتاج الذهني في شتي المجالات الصناعية والفكرية والعلمية وليس مقصورا فقط علي نظم تشغيل الحاسبات ـ كويندوز ولينكس ـ كما يتصور البعض علي سبيل الخطأ‏.‏

سبق القول أن الانترنت السبب الجوهري وراء النشاط والانتشار الواسع والتأثير المتعاظم لهذا المنهج هو لأنه منهج يتعامل مع الإبداع والنتاج الذهني الذي يتخذ صورة محتوي قابل للنشر والتخزين رقميا عبر الحاسبات وشبكات المعلومات‏,‏ وبالتالي فإن الإنترنت ـ كأكبر شبكة معلومات مفتوحة في العالم ـ قدمت للمصادر المفتوحة البيئة المناسبة للانطلاق والتنفيذ العملي علي مستوي العالم‏,‏ ووضعت بين أيدي المبدعين والراغبين في المشاركة أدوات لتبادل إبداعاتهم وإبداعات الآخرين بصورة لحظية وبمنتهي السهولة واليسر‏.‏

انطلاقا من ذلك فإن الإبحار عبر الإنترنت يعد خيارا مثاليا للوقوف علي المسارات التي ينشط فيها هذا المنهج حاليا‏,‏ وعليه قمت بجولات بحث مطولة علي الشبكة استغرقت ساعات طويلة علي مدي عدة أيام‏,‏ واستنادا إلي ما خرجت به من هذه الجولات أستطيع القول إن المسارات الرئيسية التي ينشط فيها منهج المصادر المفتوحة حاليا تشمل‏:(‏ تصنيع الأجهزة والمعدات ـ البرمجيات ـ المعالجات ـ المحتوي والكتب ـ البحث العلمي والتعليم ـ الإلكترونيات‏),‏ حيث يوجد في كل مجال من هذه المجالات حركة تعمل عبر الإنترنت ويتعاون فيها الكثيرون حول العالم‏,‏ وتحتل حركة البرمجيات المفتوحة المصدر المساحة الأكبر والأبرز والأكثر شعبية وشهرة مقارنة بالحركات السائدة في المسارات الأخري‏,‏ وفي كل مسار توجد عشرات المواقع علي الشبكة تمثل مؤسسات علمية وأكاديمية ومؤسسات غير هادفة للربح‏,‏ ومواقع لمشروعات محددة الهدف‏,‏ ومواقع لأفراد بينهم علماء بالجامعات ومراكز البحوث ومؤلفون ومهندسون ومبرمجون كبار ورؤساء لشركات تجارية‏,‏ بالإضافة إلي منتديات وشبكات أخبار وبوابات عملاقة وكتب‏,‏ وجميع هذه المواقع تعمل كأماكن يتم من خلالها نشر فكر المصادر المفتوحة وتبادل النتاج الإبداعي بين المتخصصين في المجال الواحد‏,‏ ونظرا لغزارة المادة والمعلومات المتاحة وتعدد الأنشطة الخاصة بكل حركة سأتناول كل منها تباعا‏,‏ وأبدأ بحركة الأجهزة والمعدات مفتوحة المصدر‏.‏

يقصد بالأجهزة مفتوحة المصدر تلك الأجهزة التي يمكن أن يطلق عليها منتجات رقمية كمعدات الاتصالات ومعدات بناء شبكات المعلومات وأجهزة الحاسبات بمختلف أنواعها وأجهزة التليفونات والأجهزة الإلكترونية وغيرها من الأجهزة المشابهة التي تتاح كل المعلومات الخاصة بتصميماتها للجمهور العام‏,‏ سواء كانت مبنية علي تصميمات حرة ومفتوحة أو تصميمات مقيدة بطريقة أو بأخري‏,‏ وتشمل هذه المعلومات مواصفات التصميم وملفات التطوير ونتائج الاختبارات المقارنة علي المحاكيات و النتائج التحليلية والتركيبية وتعليمات الاستخدام والتشغيل والبرمجيات البينية التي تجعل الجهاز يتعامل مع غيره من الأجهزة والأنظمة‏,‏ وأن تكون البرمجيات وأدوات التصميم المستخدمة في تطوير المعدة أو الجهاز مفتوحة‏,‏ وأن تكون كل هذه المعلومات مرخصة بها وفقا لأحكام رخصة تشبه رخصة الاستخدام العام للجمهور في مجال البرمجيات مفتوحة المصدر بما يسمح للمجتمع بإعادة استخدام وتطوير وتحسين تصميمات هذه الأجهزة‏.‏

ويتبني أصحاب هذه الحركة هدفا رئيسيا هو الوصول إلي أجهزة يتم تصميمها وإنتاجها بنموذج معاكس للنموذج المتبع حاليا في تصميم وتصنيع وإنتاج هذه الأجهزة‏,‏ وللتوضيح فإن النموذج الحالي في تصنيع هذه الأجهزة يقوم علي الركائز التالية‏:‏
ـ أن التصميمات الخاصة بالأجهزة تملكها الشركات التي أبدعتها وتحميها بثلاث نوعيات من القوانين هي‏:‏ قوانين حقوق النشر والتأليف وقوانين الأسرار التجارية وقوانين البراءات‏,‏ وبموجب ذلك فإنه ليس من حق أحد الاطلاع علي هذه التصميمات بدون التوقيع علي اتفاقيات عدم الإفصاح عن أي معلومات خاصة بها عند الاطلاع عليها‏.‏
ـ من غير المسموح قانونا القيام ببناء تصميمات جديدة علي تصميمات قديمة ما لم يكن للشركة الحق في استخدام التصميمات القديمة‏,‏ وهذا الوضع أتاح للشركات الكبري التي تسيطر علي أعداد كبيرة من البراءات أن تستخدمها للمساومة وسد الباب أمام دخول أطراف جديدة للأسواق وهو أمر مهم للغاية بالنسبة للدول النامية‏.‏

ـ يتم بناء برمجيات التصميم بواسطة الذين يعرفون المعلومات السرية الخاصة بالتصميمات سواء كانت هذه البرمجيات تبني داخل الشركات المنتجة للتصميمات أو بواسطة شركات متخصصة في برمجيات التصميم وفق اتفاقيات خاصة مع المنتجين الرئيسيين للأجهزة‏,‏ وحتي حينما تكون برمجيات التصميم عامة يتعين علي المستخدمين شراء حقوق استخدام مكتبات تصميم خاصة‏,‏ والنتيجة أن برمجيات التصميم تكون باهظة الثمن بشكل يعوق بعض الشركات الكبري والجامعات عن استخدامها‏.‏
ـ أن عملية التصميم تقودها إدارات التسويق لتحقيق هدفين أساسيين هما تقليل الوقت المطلوب لطرح المنتج أو الجهاز بالأسواق وتقليل تكلفة التصنيع‏.‏

ـ أن المستخدمين النهائيين للأجهزة والمنتجات ليس لهم الحق في معرفة كيف تعمل‏.‏
وهذه الركائز تجعل عددا قليلا يستخدمون الاجهزة أو تصميماتها‏,‏ ولا يكون بإمكان أي منهم تعديل أو حل مشكلات في الجهاز أو في تصميماته‏,‏ كما أن المطورين الآخرين لا يستطيعون الاستفادة من التصميم أو يضعون أعمالا جديدة عليه‏.‏

أما النموذج الذي تسعي حركة الأجهزة والمعدات مفتوحة المصدر إلي تنفيذه‏,‏ فيقوم علي الركائز التالية‏:‏
ـ أن تكون التصميمات مملوكة لمن يبدعونها ويتم فقط حماية الملكية بقوانين حقوق التأليف والنشر بما يجعل هذه التصميمات متاحة علي أكبر نطاق ممكن عالميا كما هو الحال مع الكتب‏.‏
ـ أن تتوافر كل الحوافز وعوامل التشجيع الممكنة للبناء علي التصميمات القديمة بهدف تحقيق التعاون بين أكبر قدر ممكن من المصممين والمهتمين بهذا المجال‏,‏ وجعل التصميمات معروفة علي أكبر نطاق ممكن وألا يغلق ذلك أمام المنظمات الأهلية وغير الحكومية بالبلدان النامية بل يتم تشجيعها علي استخدام هذه التصميمات‏.‏

ـ أن تكون برمجيات التصميم حرة ومفتوحة المصدر‏;‏ لكي يستطيع أي شخص لديه الرغبة في المشاركة أن يشارك‏.‏
ـ أن يتم وضع التصميمات وفقا لرغبات مبتكريها وليس وفقا لتوجيهات إدارات التسويق‏,‏ والهدف النهائي يمكن أن يكون ما يرغبونه هم كمبدعين‏.‏

ـ أن يكون من حق المستخدم النهائي للجهاز ليس فقط معرفة كيف يعمل بل يتم تشجيعه علي إبداع المزيد من التحسينات والتعديلات علي الجهاز طبقا لاحتياجاته وأغراضه الخاصة‏.‏

ولكي يعمل هذا النموذج فإنه يحتاج إلي إتاحة المعلومات الكاملة حول كيفية استخدام الأجهزة وإتاحة المعلومات الكاملة حول تصميم الجهاز أو المعدة‏,‏ وإتاحة برمجيات التصميم ليستطيع الآخرون تطوير وتحسين تصميمات الأجهزة‏.‏
وفي حالة سيادة هذه الركائز فإن المعارف الفنية الخاصة بتصميم وإنتاج الأجهزة ينتشر عبر المجتمعات‏,‏ ويتم القضاء علي الحواجز الجوهرية بين المبدعين والمستهلكين‏,‏ بما يتيح إنتاج الأجهزة التي يريدها الناس وليس فقط التصميمات والأجهزة التي يتم التخطيط لها لكي يشتريها الناس‏.‏

الوضع الراهن
حققت حركة الأجهزة مفتوحة المصدر حضورا عالميا طيبا حتي الآن‏,‏ فهناك العديد من المنظمات والمبادرات والجهات التي تدعم هذه الحركة‏,‏ وجغرافيا تنتشر في كل من أمريكا وأوروبا واليابان وأندونيسيا وجنوب إفريقيا والهند والبرازيل وبلدان أخري‏,‏ ومن أبرز الأمثلة علي تجاربها العملية الناجحة جهاز سيمبيوتر‏,‏ الذي انتشر في الهند وهو حاسب متخصص جري إنتاجه بمفهوم الأجهزة مفتوحة المصدر ليخدم في المناطق الفقيرة والنائية بالهند‏,‏ ويري الكثير من الخبراء أنه صالح للعديد من المجتمعات الإفريقية‏.‏

ووفقا لورقة بحثية نشرها علي الإنترنت كل من محمد سالم ــ المدرس المساعد بالجامعة الألمانية بالقاهرة ــ والباحث الفلسطيني جميل الخطيب الذي عمل في شركة سيمنسز وجامعة براندنبرج الألمانية حول الأجهزة المفتوحة المصدر‏,‏ فإن هناك ثلاث مبادرات ومنظمات بارزة في هذه الحركة تضم حوالي‏860‏ مصمما يعملون في‏210‏ مشروعات‏,‏ ولديهم‏18‏ قائمة بريدية و‏85‏ نشرة إخبارية و‏9‏ مؤسسات راعية‏,‏ كما يري الباحثان أن هناك ثلاث مراحل ستمر بها هذه الحركة الأولي هي تطوير نوع من النماذج الاسترشادية الأولية البسيطة والعامة التي يمكن استخدامها لاختبار وتنفيذ بعض التصميمات والمحاور البسيطة المفتوحة المصدر‏,‏

والثانية يفترض فيها أن تكون حركة الأجهزة مفتوحة المصدر قد حققت نوعا من الشعبية والانتشار‏,‏ ويطرح خلالها المصممون تصميمات مفتوحة متقدمة‏,‏ مما يمهد لميلاد طلب بالأسواق علي هذه المنتجات والتصميمات‏,‏ ويشجع المصنعين علي إنتاج كميات كبيرة من الأجهزة بأسعار منخفضة‏,‏ كما يقبل المصنعون علي إنتاج أدوات برمجة وتصميم مفتوحة المصدر لتوسيع قاعدتهم السوقية‏,‏ وفي المرحلة الثالثة يتم الوصول إلي تصميمات معقدة مفتوحة المصدر وتنفيذها‏,‏ وهذا يفترض وجود بنية معمارية من نماذج النظم تتلاشي فيها الحدود بين البرمجيات والأجهزة‏..‏



وإلي الأسبوع المقبل‏.‏


:‏ جمال محمد غيطاس


0 Comments:

Post a Comment

<< Home