Wednesday, August 18, 2004

http://ait.ahram.org.eg/Index.asp?DID=8216&CurFN=MAKA0.HTM


المصادر المفتوحة‏..‏ منهج للتنمية وليست صراع منتجات ‏( 2 )‏ الأسـاس الفكـري للمنهـج الجــديـــد جمال غيطاس



بدأت الأسبوع الماضي تناول قضية المصادر المفتوحة‏,‏ منطلقا من كونها منهجا للتنمية والإبداع‏,‏ وآلية لمناهضة الهيمنة والاحتكار‏,‏ وليس مجرد صراع بين منتجات بالأسواق أو معركة بين نظامي تشغيل لينكس وويندوز كما يصورها بعض ممن يعمدون تسطيح القضايا وتقديمها للناس بشكل ساذج فارغ المضمون‏,‏ وبناء علي ذلك قدمت شرحا تفصيليا وتعريفا بمصطلح المصادر المفتوحة‏(opensource),‏ وكيف برز كتعبير عن اتجاه يرفض ممارسات الشركات والمؤسسات الاحتكارية الكبري عالميا‏,‏ ويبحث عن منهج للتنمية والبناء يعتمد علي فكرة مشاركة الجميع في الإبداع بحرية وانفتاح‏,‏ ثم إتاحة هذا الإبداع للجميع بشكل مفتوح وحر بما يخفف عن البشرية وطأة الوقوع فريسة لأصحاب الاحتكارات التي تتبني منهج حجب الإبداع الفكري وغلقه أمام غيرها‏,‏ وتتخذ من ذلك وسيلة للهيمنة علي الأسواق والمصائر‏..‏ والآن يصبح السؤال‏:‏ ما هو الأساس الفكري لمنهج المصادر المفتوحة؟

عادة ما تنشأ التوجهات الكبري في التفكير الإنساني من منابع فكرية واجتماعية وعلمية متعددة تبدأ في الظهور والتبلور بشكل متدرج‏,‏ تقوي وتتعمق مع الوقت حتي تكتسب شخصية مميزة وحضورا فاعلا علي الساحة‏,‏ ومنهج المصادر المفتوحة لم يشذ عن ذلك‏,‏ فالبعض يشير إلي أن منابعه الأولي تعود إلي الفلسفة الاشتراكية‏,‏ التي قامت علي أفكار من بينها المشاركة في العمل والإنتاج الجماعي‏,‏ الذي يجري توجيه ناتجه للمجموع دون تركيزه في أيدي قلة محدودة‏,‏ ومن بينها فكرة العمل التعاوني الذي يتشارك فيه ـ بشكل مفتوح ـ أصحاب المصلحة الواحدة بما لدي كل منهم من جهد أو مال لإنجاز أهداف ومصالح مشتركة بلا وسطاء أو سيطرة من أحد‏,‏ ويرون أن هذه الأفكار تتلاقي بشكل أو بآخر مع ما ينادي به أصحاب منهج المصادر المفتوحة من طرح النتاج الفكري والمعرفي في صورة مفتوحة‏,‏ تحقق نوعا من المشاركة الطوعية في تحمل أعباء الإنجاز وفي جني الفوائد‏.‏

وقد تبدو الفلسفة الاشتراكية ـ بالنسبة للبعض ـ منبعا خافت الصلة بمنهج المصادر المفتوحة‏,‏ لكن ذلك لا ينطبق بالقدر نفسه علي رأي آخر يري أن الأساس الفكري للمصادر المفتوحة نابع من المنهج العلمي السائد في شتي التخصصات العلمية‏,‏ ومن الذين نادوا بهذا الرأي كل من كريس بيدونا وسام اوكمان ومارك ستون ـ وهم خبراء في صناعة تكنولوجيا المعلومات بالولايات المتحدة ـ وذلك في كتاب بعنوان أصوات من ثورة المصادر المفتوحة صدرت طبعته الأولي في يناير‏1999,‏ وملخص هذا الرأي أن العلم يعتبر في النهاية مؤسسة مفتوحة المصدر‏,‏ فالمنهج العلمي يقوم علي عمليتي اكتشاف نتائج جديدة‏,‏ ثم إثباتها‏,‏ ولكي تصبح النتائج العلمية مبررة ومثبتة لابد أن تكون قابلة للتكرار بالطريقة نفسها دون تغيير تحت نفس الظروف‏,‏ ولذلك فالنتائج لا تتحول إلي شيء علمي مسلم به إلا إذا كان المصدر أو الحصيلة المعرفية الخاصة بها مفتوحا لعلماء وباحثين آخرين‏,‏ والمصدر هنا هو التفاصيل الكاملة للفرضيات العلمية وظروف الاختبار والقياس والتجارب والنتائج‏,‏ ومن ثم فإن عملية الاكتشاف لابد أن يجري التعامل معها من خلال المشاركة في المعلومات وتمكين علماء آخرين من الحصول علي المصدر لكي تتلاقح أفكار الباحث الأصلي مع أفكار الآخرين‏,‏ وبدون ذلك فإن عملية التثبت من النتائج لن تتحقق‏,‏ ويتوقف المنهج العلمي عند مرحلة الاكتشافات غير المثبتة‏.‏

وحينما يتحدث العلماء عن أهمية التكرارية والمطابقة في النتائج وإتاحة المعارف بشكل مفتوح بالنسبة للتقدم العلمي‏,‏ فإن ذلك لا يختلف عما يدعو إليه أصحاب منهج المصادر المفتوحة في البرمجة أو التصنيع أو الدواء أو غيرها من ضرورة العمل علي توليد ونشر مصادر وحصائل معرفية في هذه المجالات بشكل مفتوح‏,‏ ولذلك فإن حديث العلماء عن الاكتشافات يناظره حديث أصحاب المصادر المفتوحة عن الإبداع‏.‏

ويقول مؤلفو الكتاب أن التكرار والمشاركة في النتائج يجعل النتائج العلمية أقوي لأن الباحث أو العالم الفرد ليس بإمكانه أن يأخذ في الحسبان كل ظروف الاختبارات المحتملة وليس من الضروري أن يكون لديه بيئة الاختبار التي تلبي احتياجات كل وجه من وجوه الفرضيات‏,‏ ولكن مشاركته مع نظرائه في الفرضيات والنتائج تجعله مزودا بأكثر من عين لرؤية ما لم يمكنه رؤيته بعينه هو فقط‏,‏ ويتجسد هذا المبدأ بكل وضوح في نموذج المصادر المفتوحة لكونه نموذجا يقوم علي المشاركة في الإبداع وفتح شفرة ما يحتويه هذا الإبداع من معرفة فنية أمام الجميع للنظر والمشاركة في التطوير والإضافة والتعديل‏,‏ ومن ثم يجري اختبار المنتج الإبداعي سواء كان برنامجا أو خلافه في تشكيلة واسعة ومتنوعة من السياقات التي لا يمكن لمبدع واحد أو مجموعة في جهة واحدة مهما كانت قدراتها أن توفرها‏,‏ مما يجعل المنتج أقوي‏,‏ ويتيح فرصا أكبر لاكتشاف الثغرات وجوانب النقص التي لم يلاحظها أو يدركها من قام بالإبداع لأول مرة‏.‏

ويمضي مؤلفو الكتاب إلي القول أن المنهج العلمي يضمن استمرار التقدم بلا توقف لأنه لو توقف أحد العلماء عن العمل في مشروع ما وكانت النتائج قيمة‏,‏ فإن العلماء الآخرين الذين تعاملوا مع إنتاجه في بيئة عمل مفتوحة المصدر سيستكملون المسيرة وهو ما يتشابه أيضا مع نموذج المصادر المفتوحة‏,‏ فالمشاركة في المصادر تسهل الإبداع والمشروعات ذات القيمة العالية لن تصاب باليتم والتوقف لمجرد أن احد المشاركين فيها تحرك لمشروع آخر‏,‏ فالمصادر مفتوحة ومعلنة والمعرفة الفنية الكاملة معروفة لعدد كبير‏,‏ وأخيرا فإن المشاركة في النتائج والمعارف تسهل الاكتشاف وتقلل تكرار الجهود‏,‏ ولهذا كله يري مؤلفو الكتاب أن منهج المصادر المفتوحة هو امتداد للمنهج العلمي في التفكير‏.‏

ويرصد مؤلفو الكتاب جوانب أخري في التأصيل لمنهج المصادر المفتوحة‏,‏ فهم يرون أن السبب الجوهري وراء انتشاره الواسع وتأثيره المتعاظم هو شبكة الإنترنت‏,‏ فهو يتعامل مع الإبداع والنتاج الذهني في شتي المجالات الصناعية والفكرية‏,‏ وهذا الإبداع بطبيعته ليس سوي محتوي قابل للنشر والتخزين بصورة رقمية عبر الحاسبات وشبكات المعلومات‏,‏ وبالتالي فإن الإنترنت ـ كأكبر شبكة معلومات مفتوحة في العالم ـ قدمت لهذا المنهج البيئة المناسبة للانطلاق والتنفيذ العملي علي مستوي العالم‏,‏ ووضعت بين أيدي المبدعين والراغبين في المشاركة أدوات لتداول وتبادل إبداعاتهم وإبداعات الآخرين بصورة لحظية وبمنتهي السهولة واليسر‏,‏ وفي هذا الصدد يقول مؤلفو الكتاب أن عصر النهضة والانبعاث للمصادر المفتوحة كان مقترنا بعصر النهضة والانبعاث الرقمي المرتبط بالإنترنت مثلما حدث في عصر النهضة الأوروبية الذي ارتبط باختراع الطباعة‏,‏ فأي موقع يمكنه أن يقوم بالعمل كنقطة توزيع للمعرفة لمئات الملايين حول العالم في وقت واحد وبتكلفة منخفضة للغاية‏.‏

ومثلما كان عصر النهضة والانبعاث مبشرا بوعود كبيرة‏,‏ ولاقي في البداية معارضة قوية وجبارة من القوي التي كانت سائدة قبل ذلك‏,‏ يواجه منهج المصادر المفتوحة هو الآخر الآن تحديات وضغوط ضخمة من الجهات الاحتكارية التي درجت علي العمل بمنهج مغلق يصادر علي حق الآخرين في المشاركة والمعرفة والتطوير والإبداع‏.‏

لم يكن المؤلفون الثلاثة هم الوحيدون الذين تحدثوا عن الأساس الفكري لمنهج المصادر المفتوحة‏,‏ بل هناك عديدون علي الساحة أسهموا في هذه المهمة ومن بينهم ريتشارد ستالمان المبرمج والمؤلف والباحث الأكاديمي السابق في معهد ماساسوسيتش للتكنولوجيا‏,‏ ومؤسس حركة البرمجيات الحرة ـ سيأتي الحديث عنه تفصيلا فيما بعد ـ ومن الأسس التي تحدث عنها‏:‏

ـ أن أي مجتمع يحتاج لتشجيع روح التعاون الطوعي بين مواطنيه فيما يتعلق بقضايا الإبداع‏,‏ وهذا لا يتحقق بدون تبني منهج يضع بين أيدي الناس إبداعات حرة يكون من حقهم تلقيها وتعديلها وتحسينها وليس فقط تشغيلها‏,‏ وحينما تكون هذه الإبداعات مملوكة لطرف واحد‏,‏ فإن الناس يفقدون فعليا الحرية في السيطرة علي جزء من حياتهم‏.‏

ـ أن مستخدم الإبداع ليس أقل أهمية من المبدع نفسه‏,‏ فاهتماماتهما واحتياجاتهما متساوية الوزن‏,‏ وهذا المنهج يعطي الفرصة لخروج منتجات تلبي بالفعل احتياجات حقيقية لدي المستخدمين‏,‏ لكونه يجعلهم شركاء أصلاء وكاملين في عملية التطوير‏,‏ ويمنحهم دورا في السيطرة علي تصميم وتنفيذ وتطوير ما يستخدمونه من إبداع ولا يتركهم لما يصل إليهم من فكر المنتجين الاحتكاريين الذين كثيرا ما يوجهون عملية التصميم والإنتاج في مسارات قد لا تشكل حاجة حقيقية لدي المستخدم‏.‏

ـ أن هذا المنهج لا يدعو علي الإطلاق إلي جعل الإبداع مجانيا‏,‏ ولكن يدعو إلي إبداع يحق لصاحبه تسويقه وبيعه وتحقيق عائد من ورائه‏,‏ ولكن بشكل يتيح للآخرين الاطلاع علي مصدره وإعادة تغييره والإضافة إليه والحذف منه بمعني آخر هو منهج يرتكز علي طرح ناتج الإبداع بلا قيود‏.‏

يبقي القول في أن المصادر المفتوحة ـ من الناحية الفكرية ـ ليست منهج الكسالي أو الباحثين عن أشياء جاهزة أو مجانية أو من يركنون إلي التقليد والعمل تحت عباءة وتوجيه عقول أخري تفكر لهم وتبيعهم منتجات جاهزة‏,‏ ولكنها منهج من يؤمنون بالحرية ويمارسون الانتفاح والعطاء باقتدار مع الآخرين ويثقون بأنفسهم وقدراتهم‏,‏ ويمتلكون ذهنا مبدعا وثابا قادرا علي التخيل والقبول بالمخاطرة والعمل والمثابرة سعيا إلي تحقيق قيمة مضافة تقود للتعامل بندية واستقلال وبشكل مشرف مع الآخرين حول العالم‏.‏



:‏ جمال محمد غيطاس


0 Comments:

Post a Comment

<< Home