Tuesday, July 27, 2004

http://ait.ahram.org.eg/ait/ahram/2002/9/24/ARTI1.HTM


تأسيس شركة نصفها بالقاهرة والنصف الآخر بكاليفورنيا
درس في تصنيع البرمجيات والوصول للعالمية اسمه‏(‏ حسن خورشيد‏)‏


2002 سبتمبر 24 ‏17 من رجب 1423 هـ الثلاثاء


جمال محمد غيطاس
mailto:ghietas@ahram0505.net
أن تشتري آي بي إم شركة برمجيات ناشئة بها بضعة عشرات أو مئات من الموظفين فهو خبر ليس جديدا ولا يعنينا في شيء لكن ان تكون الشركة الصغيرة المشتراة أمريكية الجنسية والشكل ومصرية الجوهر والمضمون ونصفها بالقاهرة والنصف الآخر بكاليفورنيا فهنا ينقلب الأمر ونصبح أمام حالة غير مسبوقة فهي من ناحية حالة تدعو للفخر بالكوادر المصرية التي عملت بها سواء الموجودون بالقاهرة أو الذين أسسوها وأداروها في قلب الولايات المتحدة ووصلوا بها إلي مستوي من الكفاءة والجودة والتأثير لم يترك أمام آي بي إم ـ عملاق صناعة تكنولوجيا المعلومات في العالم ـ خيارا أفضل من شرائها بكامل أصولها ومن ناحية اخري فهي تقدم نموذجا عمليا ناصعا يقوم بتعرية المشكلات التي تعاني منها أو تغرق فيها صناعة البرمجيات المحلية منذ زمن ويكشفها دون رتوش واضعا القائمين عليها أمام حقائق الواقع التي لا يجدي معها علي الإطلاق إدمان التصريحات وإسهال الكتابة والشكوي‏(‏ عمال علي بطال‏)‏ من عدم الحصول علي دعم من الدولة‏....‏ فما هي قصة هذه الشركة التي حرص وزير الاتصالات والمعلومات أن يعلن خبر شرائها بنفسه الاسبوع الماضي
الحكاية وراءها مهندس مصري اسمه حسن خورشيد سافر إلي الولايات المتحدة في بداية التسعينيات وأسس شركة برمجيات بالولايات المتحدة جعل نصفها بالقاهرة والنصف الثاني بكاليفونيا بحيث تتم عمليات التطوير والبرمجة والاعمال التقنية لشركته بواسطة مبرمجين مصريين يعملون بالقاهرة وجميع عمليات الادارة والتخطيط للبرامج وتسويقها وبيعها تتم في الولايات المتحدة وفشل عدة مرات واعاد المحاولة حتي قدم للسوق حزمة برمجيات متخصصة في إدارة وضبط وقياس أداء دورة العمل الإدارية والدورة المستندية داخل المنشآت المختلفة والتشخيص والاكتشاف اللحظي لمواطن أو نقاط الخلل التي تتسبب في تدهور كفاءة مستوي أداء الخدمة وأعد حسن خورشيد برامجه في صورة عالية الجودة واضحة التفرد والتميز مما جعلها توفر خصائص وفوائد غير موجودة فيما تقدمه اكبر شركات صناعة البرمجيات من منتجات مشابهة‏.‏

عرض برامجه علي آي بي إم فقام خبراؤها بتحليلها واختبارها وبعد فترة طويلة من‏(‏عصر‏)‏ البرامج اتخذوا قرارا بالتعامل مع حسن خورشيد كمورد لهذه البرامج من الباطن وتقديمها لعملاء آي بي إم مع حزمة البرامج المتخصصة في هذا الامر والتي تنتجها أي بي إم نفسها وبعد فترة تعامل اخري كان عملاء آي بي إم يضغطون عليها في كل مرة للحصول علي برامج حسن خورشيد وفي نهاية المطاف لم تجد آي بي إم خيارا أفضل من شراء الشركة وأصولها وضم حسن خورشيد نفسه اليها ومنحه منصبا رفيعا داخل آي بي إم لتصبح برامجه جزءا لا يتجزأ من البرامج التي تقدمها أي بي إم لعملائها في اكثر من‏160‏ دولة حول العالم وينضم جميع العاملين في شركته إلي آي بي إم بما فيهم المبرمجون الموجودون بالقاهرة وهكذا حقق حسن خورشيد واحدا من أفضل الاهداف التي تسعي إليها أي شركة برمجيات ناشئة حول العالم اليوم ولكن بعد رحلة كفاح وتوتر انتهت برفع وزنه من‏85‏ كيلوجراما الي‏125‏ كيلوجراما مع اعتلال في الصحة أبرزه الإصابة بضغط الدم المرتفع كما حكي لي في اتصال تليفوني معه من القاهرة بمنزله في كاليفورنيا الاسبوع الماضي فهو لم يزور القاهرة منذ سنوات‏.‏
السؤال الآن‏:‏ في ضوء ما تعيشه صناعة البرمجيات المحلية من صعاب وما نتمناه لها من مستقبل‏..‏ ما دلالة هذه التجربة؟

يمكننا القول إن تجربة حسن خورشيد في الوصول إلي برامج اكتسبت الآن صفة العالمية استطاعت تخطي اكبر ثلاث عقبات تواجه انطلاق صناعة البرمجيات المصرية للأسواق الدولية الأولي هي صعوبة الوصول أو النفاذ الي الأسواق الدولية وفهمها والتعامل معها فكل سوق من هذه الأسواق تحتاج أساليب مختلفة في الدراسة والتحليل والتعرف علي احتياجاتها الحقيقية وفي التخاطب مع المشترين وإقناعهم بالمنتج الجديد عبر المعارض والندوات واللقاءات المباشرة علاوة علي ضرورة التسلح بمهارات إدارة المنافسة الشرسة مع الشركات العملاقة والكبيرة والمتوسطة والصغيرة التي لها وجود سابق في كل سوق علي حدة وفوق كل ذلك ضرورة توافر التمويل المناسب لإنجاز جميع هذه المهام‏.‏
وفي تجربته لم ينتظر حسن خورشيد حتي الانتهاء من تصميم البرامج وانتاجها ثم السفر بها جاهزة للسوق الامريكية كما يفعل الكثيرون الآن بل سارت عملية دراسة وفهم الأسواق واحتياجاتها التسويقية والبيعية بالتوازي مع عملية تطوير البرنامج فكان الذراع التخطيطية والادارية للشركة والمسئول عن وضع الرؤية والتسويق والبيع والموجود بالولايات المتحدة يعايش السوق ويتشرب احتياجاتها ويرتدي‏(‏ طاقية الخواجة الأمريكي‏)‏ وهو يخاطب الإمريكان حيث جري تأسيس الشركة باعتبارها امريكية بينما الذراع التقنية للشركة بالقاهرة يبني الاكواد ويصمم البرامج وفقا لما يبعث به الذراع الإدارية في أمريكا ووفقا لهذا السيناريو توجهت الشركة نحو السوق الأمريكية وسارت في طريق أتي بنتيجة جيدة وإن كان شاقا ومكلفا ونزعم أن الغالبية الساحقة ممن ينتجون البرامج في مصر او الذين لا يملون الحديث عن تصدير البرمجيات لم يقدموا حتي الآن علي تنفيذ تجربة بهذا النسق أو قبلوا بتحدي الإنفاق عليها وفقا لنموذج حسن خورشيد‏.‏

العقبة الثانية هي إنتاج البرمجيات بمعايير جودة عالمية تقتنع الشركات الكبري بالمشاركة في تسويقها ثم التفكير في ضمها إلي قائمة منتجاتها فالشركات علي مستوي آي بي إم لا تقبل علي الاطلاق بالمشاركة أو حتي مجرد النظر إلي منتج أو شركة لا تتبع معايير الجودة المعترف بها عالميا في كل عمليات التخطيط والتصميم والتطوير والبرمجة والتوثيق والتسويق والبيع والتحديث والنظرة المستقبلية وعمليات الدعم الفني وخدمات ما بعد البيع وخلافه وهو أمر تقيد به حسن خورشيد من اليوم الأول وكلفه الكثير من الجهد والمال ومن ثم تخطي هذه العقبة التي لاتزال تمنع غالبية شركات البرمجيات المصرية ومنتجاتها المختلفة من النجاح في اتمام صفقات تصديرية ذات مغزي أو تثبت أقدامها في الاسواق الدولية‏.‏

العقبة الثالثة هي إمتلاك الرؤية او ما اطلق عليه حسن خورشيد نفسه في حواره التليفوني‏(‏الافق المستقبلي والعالمي‏)‏ ويقصد بذلك أن يتوافر لدي شركة البرمجيات الساعية للوصول للأسواق العالمية قدر من وضوح الرؤية واستشراف المستقبل يجعلها تنتقي المسار الذي تمضي فيه للأمام بشكل سليم بحيث تسير في عملها وهي مطمئنة إلي أن منتجاتها قادرة علي استيعاب التغيرات السريعة والمتلاحقة في احتياجات سوق البرمجيات العالمية وقد أنفق حسن خورشيد سنوات النصف الاول من التسعينيات في البحث عن فكرة جديدة متميزة تستطيع الانتشار والحياة لفترة طويلة حتي استقر علي فرع من فروع برامج ضبط وقياس كفاءة دورة العمل داخل المؤسسات اختاره من بين المجالات الضيقة التي لم تكن أي شركة تهتم بها بشكل كاف‏.‏

لقد قادته هذه الرؤية أو‏(‏ الأفق‏)‏ الي العمل بطريقة تجعل برمجياته قابلة لان تتكامل فنيا بسهولة مع البرمجيات التي تقدمها أي بي إم في هذا المجال وتحقق لها بعض الإضافات والمميزات المهمة وفي مشواره قبل بأن يتعامل من الباطن ـ إن جاز التعبير ـ مع أي بي إم حتي اقتنع العملاق الضخم ـ تحت طلبات ملحة من عملائه ـ بأهمية ضم شركة حسن خورشيد بأصولها ومعارفها الفنية بالكامل إلي آي بي إم فتم الشراء‏.‏
في المقابل فإن غالبية شركات البرمجيات المصرية لا تجهد نفسها في عملية تحديد الرؤية أو اختيار المسار المناسب ولا تهتم بوضع الافق المستقبلي والعالمي وهي تخطط وتصمم وتنتج برامجها وقد لا تقبل بتطبيق رؤية تلزمها بالعمل مع احد الكبار من الباطن والكثير منها ينجرف مع التيار دون بحث عن التميز أو بذل مزيد من الجهد في العثور علي أفكار تتسم بالاصالة والجدة وتلبي احتياجات حقيقية بالاسواق فنجد ـ مثلا ـ عشرات الشركات تتكالب علي انتاج برامج متشابهة تزدحم بها الاسواق كالمحاسبة واعداد المرتبات وخلافه‏.‏

لقد كانت لفتة طيبة وموفقة من الدكتور أحمد نظيف وزير الاتصالات والمعلومات ان يعلن بنفسه خبر شراء آي بي إم لهذه الشركة من قاعة الاجتماعات الرئيسية في قلب وزارة الاتصالات في حضور كبار مسئولي فرع آي بي إم في مصر وعلي رأسهم عمرو توفيق المدير العام للفرع فهو بذلك وجه رسالة للقائمين علي صناعة البرمجيات المحلية وللمجتمع ككل بأن الدولة تدعم هذا التوجه وتساند كل من يقوم بجهود جادة من هذا النوع وأن الدولة ملتزمة بالتعاون المستمر مع المستثمرين الأجانب والشركات العالمية وتتفهم تماما المزايا التي تعود علي الاقتصاد القومي من مثل هذه التجارب‏.‏
في النهاية‏..‏ نحن لا نطالب الجميع بأن يفعل ما فعله حسن خورشيد في رحلته الشاقة للوصول بمنتجه للعالمية ولم نقدم هذه التجربة كنموذج نمطي مطلوب تكراره‏(‏ بالكربون‏)‏ بل قدمناه كدليل علي أن النجاح لا يتم بالطنطنة وتقمص دور البطولة والتشدق بالكلمات الرنانة أمام الميكروفونات والإلحاح في طلب العون من الدولة مثلما يفعل البعض بإصرار غريب فها هو شخص واحد حقق نتيجة جيدة بجهد دؤوب ومستمر دون مساعدة من أحد أو تقديم مذكرة لمسئول يطلب فيها عونا أو منصبا‏.‏








0 Comments:

Post a Comment

<< Home