Monday, June 28, 2004

http://ait.ahram.org.eg/Index.asp?CurFN=MAKA0.HTM&DID=8167


أين نحن من ظاهرة التعهيد والتشغيل للغير في تكنولوجيا المعلومات؟
الهند حولتها لقضية انتخابية في سباق الرئاسة الأمريكي
‏..‏ ودبي تنشئ لها أكبر منطقة في العالم


لم تترك التطورات التي شهدتها ظاهرة التعهيد‏(outsourcing)‏ في تكنولوجيا المعلومات الأسبوعين الماضيين أي خيار سوي معاودة الكتابة والإشارة إليها من جديد بعد سلسلة المقالات الست التي نشرتها في نوفمبر الماضي‏,‏ وشرحت فيها الظاهرة بالتفصيل‏,‏ فقد استوقفني الزسبوع الماضي أمران مهمان يتعلقان بها الأول‏:‏ تحدثت عنه صحيفة الهيرالد تريبيون الدولية‏,‏ وخلاصته أن نشاط الشركات الهندية في هذا المجال تطور بشكل كبير حتي حول الظاهرة إلي قضية انتخابية ساخنة داخل سباق الرئاسة الأمريكي‏,‏ وجعلها تطفو علي اهتمامات المسئولين عن حملة بوش ومنافسه الديمقراطي جون كيري وعلي موقف كبار مسئولي ونجوم صناعة تكنولوجيا المعلومات من المرشحين للرئاسة‏,‏ والثاني‏:‏ إعلان إمارة دبي عن البدء في إنشاء أكبر منطقة للتعهيد في العالم داخل مدينة دبي للإنترنت‏,‏ سينتهي العمل فيها في غضون‏12‏ شهرا فقط‏,‏ وأن هناك تسابقا من بين مؤسسات وهيئات دولية علي الحجز والعمل داخل هذه المنطقة حتي قبل البدء في إنشائها‏,‏ ولاشك أنه لا مفر من الانتباه لهذه التطورات المتلاحقة التي تدفع للذهن بتساؤل مشروع وهو‏:‏ أين نحن من هذا الذي يجري من حولنا؟

لا بأس في أن نعود للتذكير بمعني ظاهرة التعهيد التي يطلق عليها البعض أحيانا خدمة التشغيل للغير أو خدمة الاستعانة بالموارد الخارجية من الغير‏,‏ ولكنها في النهاية تعني أن طرفا ماـ يمثل شركة أو منشأة أو هيئة من قطاع تكنولوجيا المعلومات أو من خارجه ـ يعهد لشركة تكنولوجيا معلومات متخصصة داخل بلاده أو في بلد آخر خارجي بمهام معينة‏,‏ لتقوم بها نيابة عنه بغية الوصول إلي هدف نهائي يسعي لتحقيقه عبر تنفيذ هذه المهام‏,‏ وهذا الهدف يمكن أن يشمل صيانة أجهزة ومعدات وبرمجيات وضمان تشغيلها بشكل مناسب طوال الوقت‏,‏ أو تجهيز وإعداد بيانات ومعلومات أو تنفيذ برامج لتدريب كوادر بشرية‏,‏ ويلتزم بضمان إعدادها للمستوي المطلوب‏,‏ ويحتمل أيضا أن تتصاعد المهام محل التعهيد وتتعقد بحيث يحدد الطرف الأول نوع المنتج أو الخدمة أو المهمة النهائية التي يريد الحصول عليها بالاستعانة بتكنولوجيا المعلومات‏,‏ ويعهد بالأمر كلية للطرف الثاني ليفعل ما يشاء‏,‏ ثم يأتي إليه بالخدمة أو المنتج المطلوب في النهاية‏,‏ وعالميا تشكل ظاهرة التعهيد سوقاعالمية واسعة يتوقع أن تصل استثماراتها إلي‏99‏ مليار دولار عام‏2007‏

والآن‏:‏ كيف تحولت ظاهرة التعهيد لقضية انتخابية في سباق الرئاسة الأمريكي وما دور الشركات الهندية في ذلك؟

بعد النجاح الذي قدمته الشركات الهندية في القيام بالمهام التي عهدت بها شركات تكنولوجيا المعلومات الامريكية إليها وبتكلفة رخيصة‏,‏ تصاعد اندفاع الشركات الأمريكية في هذا الاتجاه حتي أصبحت هناك ثمانية من بين كل عشرة شركات أمريكية تعهد بمهام في عمليات البرمجة والتكويد وغيرها إلي شركات هندية بدلا من أن تقوم بها هي بمعرفة مبرمجيها وخبرائها‏,‏ وما يقرب من نصف الشركات قامت بالفعل بإسناد مهام استراتيجيه في البرمجه مثل الجزء المركزي أو المحوري من البرامج والمنتجات وعمليات تركيب وتشغيل البرمجيات لشركات هنديه وغير هندية خارج الولايات المتحدة‏,‏ و‏63%‏ من الشركات لديها حاليا أنشطة من هذا النوع بشكل أو بآخر‏,‏ و‏21%‏ في مرحلة الإعداد لإرسال الأعمال المطلوب إنجازها خارج أمريكا‏,‏ وصاحب ذلك بالطبع عمليات استغناء واسعة عن المبرمجين والموظفين الأمريكيين والدفع بهم لسوق البطالة‏,‏ وذلك طبقا للأرقام التي أذاعتها مؤسسة ساند هيل للبحوث التي رعت مؤتمرا العام الماضي‏,‏ وشاركت فيه‏51‏ شركة أمريكية واستهدف دراسة هذه الظاهرة‏.‏

مع استمرار موجة الاندفاع نحو الهند وارتفاع أعداد من يتم الاستغناء عنهم من الأمريكيين احتد الجدل حول الظاهرة‏,‏ ورأي فريق من رؤساء الشركات الأمريكية أن المبرمجين الهنود يقدمون بديلا رخيصا يمثل بالنسبه لهم مدخلا حيويا للربحية لا يمكنهم الحصول عليه في حال الاعتماد علي المبرمجين الأمريكيين‏,‏ فيما رأي فريق آخر أن استمرار الاندفاع في هذا الأمر يهدد بأن تفقد صناعة البرمجيات الأمريكية ريادتها التقنية‏,‏ علاوة علي أنه اتجاه غير مناسب في ظل التباطؤ والركود الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة داخل الولايات المتحدة‏.‏

سرعان ما انتقل هذا الجدل إلي البرامج السياسية التي يتبناها مرشحا الرئاسة‏,‏ وتبني الديمقراطيون موقفا يدعم الآراء المناوئة لظاهرة التعهيد والاندفاع نحو الهند‏,‏ وتعهد جون كيري مرشحهم الرئاسي بإلغاء الحوافز التي يحصل عليها أصحاب الأعمال في حالة توجيه أعمالهم واستثماراتهم فيما وراء البحار وإلغاء تخفيضات الضرائب التي تسمح للشركات بتأجيل دفع الضرائب علي الدخل الخارجي‏,‏ وقال كيري في أحد لقاءاته الانتخابية‏:‏ دعونا نوقف إهدار أموال دافعي الضرائب لإعطاء حوافز من أجل نقل الوظائف خارج الولايات المتحدة‏.‏

أما الجمهوريون فكانوا أقرب إلي الرأي المدافع عن ظاهرة التعهيد‏,‏ وأعرب مسئولون في حملة بوش الانتخابية عن اعتقادهم بأن التعهيد يحقق خفضا في التكاليف‏,‏ وبالتالي يزيد الإنتاجية للشركات الأمريكية ويجعلها توفر فرص عمل جديدة داخل الولايات المتحدة‏,‏ وتشارك في النمو داخل البلدان الأخري مما يزيد أيضا من حجم التجارة العالمية وهو أمر يفيد الولايات المتحدة‏.‏

وفيما يبدو أن مواقف الديمقراطيين والجمهوريين من هذه القضية‏,‏ كان لها تأثير بشكل أو بآخر علي مواقف كبار المسئولين في شركات تكنولوجيا المعلومات من السباق الرئاسي إذ يلاحظ من خريطة التحالفات التي أشارت إليها الهيرالد تريبيون بين شركات تكنولوجيا المعلومات الكبري وطرفي السباق‏,‏ أن الشركات ذات المصالح الكبري والضخمة في دعم واستمرار ظاهرة التعهيد واللاعب الرئيسي في موجة الاندفاع نحو الهند هي في الوقت نفسه الشركات التي أعلن قادتها تحالفهم مع بوش ومعسكر الجمهوريين‏,‏ إذ يقف إلي جانب بوش كل من بيل جيتس مؤسس ورئيس مايكروسوفت وكارلي فيورينا رئيس هيليوت باكرد وجوهان تشامبر رئيس سيسكو وكريج باريت رئيس انتل ولويس جريستنر الرئيس السابق لـآي بي إم وغيرهم‏,‏ وفي المقابل فإن الشركات الأقل اندفاعا نحو الهند والتي لا تشجع ظاهرة التعهيد أو لا تتحمس لها هي في الوقت نفسه الشركات التي أعلن قادتها تحالفهم مع الديمقراطيين من أمثال بوب ايبستين مؤسس سايبيس واريك شيمدت مؤسس جوجل وشلبي بونييه رئيس شبكة سي نت نيوز الإخبارية الإلكترونية وجوهان ثامبثون رئيس سيمناتك وغيرهم‏.‏

انطلاقة دبي
انطلاقة دبي في عالم التعهيد كانت متوقعة لكنها جاءت مفاجئة من حيث الحجم والسرعة والقوة‏,‏ ففي مؤتمر عالم التعهيد الذي عقد بلندن الأسبوع قبل الماضي‏,‏ كشفت دبي عن مشروع عملاق يحمل اسم‏(‏ منطقة دبي للتعهيد‏)‏ داخل مدينة دبي للإنترنت‏,‏ هدفه أن تكون دبي صاحبة أكبر منطقة متكاملة للتعهيد في العالم علي الإطلاق‏,‏ وقدم إسماعيل النقي المسئول عن المشروع المزيد من تفاصيله في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط الصادرة في لندن‏,‏ فأوضح أن المنطقة ستنفذ خلال‏12‏ شهرا فقط‏,‏ وستوفر البنية التحتية المناسبة وبيئة ذات عناصر احترافية متكاملة لتتيح للشركات المتخصصة إقامة مقار إقليمية أو رئيسية لها تقدم من خلالها خدماتها لدول المنطقة والعالم‏,‏ مع الاستفادة من مجموعة متباينة من المحفزات أهمها ضمان ملكية المشروعات بنسبة‏100%‏ إضافة إلي إمكانية الحصول علي جميع خدمات الدعم عبر نافذة موحدة تساعد علي اختصار عنصري الزمان والمكان أمام المستثمرين‏.‏

ويفهم من تصريحات إسماعيل النقي أن دبي تعد المنطقة لتكون متكاملة القدرات من يومها الأول بحيث تستقطب أي شكل من أشكال التعهيد المعروفة عالميا ومن بينها تعهيد تنقية المعلومات وبنية تنقية المعلومات المتاحة‏,‏ ونظم إدارة العلاقات مع العملاء‏,‏ ومراكز الدعم وخدمات الويب والصيانة عن بعد والتراسل من خلال البريد الإلكتروني والدعم التقني‏,‏ وتعهيد الخدمات المعلوماتية عالية التخصص كالمعلوماتية الحيوية والمعلوماتية الكيميائية‏,‏ بالإضافة إلي تعهيد العمليات الإدارية وتعهيد العمليات الهندسية كخدمات أنظمة المعلومات الجغرافية والتصميم الهندسي باستخدام الكمبيوتر‏,‏ وتعهيد مراكز الاتصال وتطبيقات المعالجة الرسومية مثل الرسوم المتحركة والأفلام والوسائط المتعددة‏,‏ بالإضافة إلي تعهيد تطوير المحتوي وتطبيقات نظم المعلومات الداخلية وإدارة الوثائق وخدمات شئون الموظفين والإجراءات الطبية والقانونية والبحث والتطوير والتحليل وغيرها‏.‏

وقد لفت نظري في تصريحات مسئولي المشروع نقطتان مهمتان الأولي‏:‏ أن منطقة دبي للتعهيد سارت عكس الاتجاه‏,‏ فيما يتعلق بالتسويق إذ لم ينتظر مسئولو المشروع حفل الإعلان الرسمي ثم يدعون الشركات للانضمام إليها‏,‏ ولكن قاموا بالتسويق لها‏,‏ وهي لاتزال ماكيتا علي الورق‏,‏ وهناك بالفعل خمس شركات كبري انضمت للمنطقة وبدأت تمارس نشاطها بشكل مؤقت من مدينة دبي للإنترنت‏,‏ والثانية‏:‏ أن استراتيجية المشروع تتعامل مع الظاهرة بمنطق إقليمي واسع النطاق لا يتوقف عند حدود إمارة دبي‏,‏ فصناعة التعهيد تحتاج كما هو معروف إلي كثافة في الكوادر البشرية وهو أمر غير متاح لدبي‏,‏ ولذلك فإن إدارة المشروع تري أن‏9.5‏ مليون خريج سنويا ـ حسب تقديراتها ـ في كل من مصر ولبنان والأردن وإيران وسريلانكا والفلبين يعتبرون حصيلة زاخرة من الخبرات متنوعة اللغات‏,‏ يمكن أن تخدم المشروع‏.‏

ليس لدي أي تعليق سوي إعادة السؤال‏:‏ أين نحن من هذا الذي يجري؟ وهل أصبحنا مجرد مخزن لمادة خام بشرية تذكر كجزء من رقم داخل استراتيجية مشروع إقليمي بهذا الحجم بالغ الضخامة‏.‏



:‏ جمال محمد غيطاس
ghietas@ahram0505.net


1 Comments:

Blogger R said...

مقال رائع وموجه للنقطة التي تريد أن تتناولها وخاصة الجزء الأخير حين تقول أن دبي بستعى وراء الموارد البشرية المتوفرة في كل من مصر، سوريا، الأردن والفلبين ... وغيرها وأين نحن من هذا؟؟

5:19 AM  

Post a Comment

<< Home