Sunday, June 27, 2004

http://www.arabgate.com/article.php?sid=5552


التجمل بالإصلاح السياسي يحوله إلى إصلاح سياحي- بقلم: فهمي هويدي


التجمل بالإصلاح السياسي يحوله إلى إصلاح سياحي- بقلم: فهمي هويدي
فكرة مناقشة اصلاح الوضع العربي في مؤتمر القمة العربية المرتقبة في تونس تستحق الحفاوة لا ريب. لكن المرء لا يستطيع أن يخفي شعورا قويا بالقلق بداخله حتى يكاد يفسد السرور الذي ينتابه، حين يطالع الخبر لأول وهلة. ذلك ان المشكلة في العالم العربي ليست في خطوات الاصلاح وانما هي في جدية ارادة الاصلاح، لاننا من تجارب عديدة ومريرة سمعنا كلاما كثيرا وجميلا عن الاصلاح، وصادفنا ما لا حصر له من القرارات والاجراءات التي رفعت راية الاصلاح، لكننا اكتشفنا بعد حين ان عنصر الجدية لم يكن متوفرا، وأن الحرص على التجمل كان اكثر من السعي للاصلاح، وأن الاهتمام بالطلاء صرف الاهتمام عن ترميم البناء.

خذ مثلا قريبا، الكلمات العربية التي القيت في القمة العالمية للمعلومات التي عقدت قبل اسبوعين في جنيف، وكيف أنها اعربت عن الحماس المفرط لكل عناوين مجتمع المعرفة والمعلومات.
واسهبت في وصف الجهود التي تبذل على المستوى الوطني لبناء المجتمع العصري واستخدام تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات لمواجهة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق النهضة الشاملة و...و... الخ.
لم اكن هناك. ولست في موقف يسمح لي بالحديث عن صدى الكلمات التي القيت في محفل جنيف، الذي شهدته وفود 174 دولة وحضره 67 رئيس دولة وحكومة، ونحو 850 منظمة وهيئة حكومية واهلية. لكني ازعم انني قريب من تجارب المجتمعات التي جرى الحديث عنها «بفخر واعتزاز» كما قيل في واحدة من تلك الكلمات. وكمواطن يعيش داخل تلك المجتمعات ويراقب احوالها، فان أول ما خطر لي حين وقعت على تلك الكلمات أن اصدر تكذيبا لما تضمنته من ادعاءات ومعلومات، وأن اعلن على الملأ أن مجتمع المعرفة لا يمكن ان يقوم حقا الا اذا كان المجتمع ديمقراطيا، وان الحديث عن مجتمع المعرفة لا يستقيم اذا تم بمعزل عن الدعوة الى اشاعة الديمقراطية. واذا ما ركزنا على الاولى دون الثانية فاننا بذلك نضع العربة امام الحصان، الامر الذي لن يتيح لنا امكانية التحرك خطوة واحدة الى الامام، ومن ثم سيغدو حديثنا عن «النهضة» المنشودة مجرد ادعاء أو حلم غير قابل للتطبيق.
اكثر من ذلك فإنني أزعم ان توفير تكنولوجيا المعلومات في مجتمع تغيب عنه الديمقراطية ربما كان فيه من الضرر اكثر مما فيه من النفع، لان التكنولوجيا في هذه الحالة سوف تستخدم ضد المجتمع ومن اجل قمعه وليس لصالحه، من حيث انها ستوفر لاجهزة السلطة فرصة التنصت على الناس ومراقبتهم واختراق خصوصياتهم، دون ان يكون بمقدورهم حماية انفسهم من تغول السلطة وعدوانها على خصوصياتهم.
وبعد ان صار مصطلح «مجتمع المعرفة» احد شعارات الموسم وهتافاته التي يرددها كثيرون هذه الايام ـ حتى اشعار آخر على الاقل ـ فانه من المهم للغاية ان نتفق على مضمونه أو ما نتصوره اطارا صحيحا له. ثمة تعريف لمجتمع المعرفة ورد في تقرير التنمية الانسانية الذي صدر عن الامم المتحدة هذا العام ـ ركز على هذه القضية ـ ورد فيه ان مجتمع المعرفة هو ذلك المجتمع الذي يقوم اساسا على نشر المعرفة وانتاجها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعي: الاقتصاد والمجتمع المدني والسياسة والحياة الخاصة وصولا للارتقاء بالحالة الانسانية باطراد. وهذا التعريف المجهل لا اجده وافيا لانه يخلط فيما بين الوسائل والأوعية والمقاصد، على نحو قد يؤدي الى الالتباس، وربما يفتح الباب للعبث بالمصطلح وابتساره. فكل ما يدخل ضمن تكنولوجيا الاتصالات هو من الوسائل، وكذلك تعليم الناس القراءة والكتابة، اما مجالات الاقتصاد والمجتمع المدني والثقافة والسياسة فهي من الأوعية التي توظف فيها تلك الوسائل. والقصد من ذلك كله هو الارتقاء بالانسان والمجتمعات والديمقراطية شرط تحقيق الارتقاء المنشود ببساطة لانها اذا اخذت على محمل الجد ـ وليس على سبيل الهزل كما في بعض تجاربنا العربية ـ فان المعرفة في ظلها ستصبح حقا، وليس مجرد واجب يؤدونه بشكل آلي في مجالات حياتهم المختلفة.
ان مجتمع المعرفة ينبغي ان يعترف بحق الناس في أن يعرفوا، وليس فقط ذلك الذي يعلم الناس القراءة والكتابة أو الذي يوفر للخلق اجهزة الكمبيوتر ووسائل الاتصال الرقمية المختلفة وما لم يتوفر للناس ذلك الحق الذي اشرت اليه فإن البشر في هذه الحالة لن يكونوا افضل كثيرا من قطيع الغنم، لا يتجاوز دورهم حدود التلقي والاستقبال، ويسيرهم الراعي في أي اتجاه، وحق الناس في المعرفة له شرط جوهري هو اطلاق حرية الصحافة بحيث تتمكن من ان تطلع الناس على الحقائق لكي يعرفوا كيف والى اين تسير السفينة بهم. وتلك الحرية في الاخبار لا يمكن لها ان تتحقق الا في ظل أجواء ديمقراطية لا تتحول فيها السياسة الى كهنوت واسرار لا يطلع عليها سوى صناع القرار، ليس ذلك فحسب، وانما حيث يعترف بحق الناس ان يعرفوا، فان ذلك يحول المجتمع الى طرف آخر في المعادلة السياسية، بحيث يؤدي اشاعة المعرفة في هذه الحالة ليس فقط الى اخبار الناس، وانما ايضا الى اتاحة فرصة رصد صدى تلك الاخبار لدى الرأي العام، ووضعه بالتالي في الاعتبار. الامر الذي يخرج المجتمع في حالة التلقي ويحوله الى شريك في صناعة القرار السياسي بدرجة أو اخرى.
من هذه الزاوية فلا مفر من الاعتراف بأن ما تحقق حتى الان في العالم العربي من خطوات على طريق اقامة مجتمعات المعرفة والمعلومات ما يزال يقف عند حدود توفير الوسائل، ولست واثقا من دور تلك الجهود وتأثيرها في الاوعيه المختلفة، لكن القدر المتيقن ان شيئا من المقاصد التي اشرت اليها لم يتحقق بعد، ببساطة لانه لم يثبت ان حق الناس في المعرفة جرى التسليم به وهم ما يزالون يعاملون كرعايا لا كمواطنين، الامر الذي فرض عليهم ان يظلوا متلقين، يستقبلون فقط ولا يرسلون وهو ما يفرغ مجتمع المعرفة من وظيفته ومضمونه، بحيث ان ما يمارس في اطاره يظل يتحرك في حدود التجمل واستجلاب رضى الآخرين، وهو ما وصفته في مقام آخر بأنه بمثابة اصلاح «سياحي» مقطوع الصلة بما تنشده من اصلاح سياسي.
ليس هذا المشهد جديدا ولا هو مفاجىء في الزمن العربي، الذي ازعم ان من سماته الالتفاف حول الديمقراطية والتمسح فيها، مع القطيعة معها في ذات الوقت.
ذلك ان هناك قيما ومؤسسات تمثل منتجا للديمقراطية وافرازا لها، بمعنى ان الدول الغربية الحديثة بعد ان قطعت شوطا في تطبيق النظام الديمقراطي وكفلت لسكانها حق المشاركة وحق المساءلة، فعلا عن حق الكرامة، وجدت ان ثمة انظمة وهياكل يتعين اقامتها سواء لضمان استمرار تلك المسيرة أو لرفع كفاءة وتعزيز عافية مجتمعاتها. وكانت مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان في مقدمة تلك الهياكل، كما ان حق الناس في معرفة ما يجري في اوطانهم صار قيمة معترفا بها، وغير قابلة للمنازعة.
وحين لجأت اغلب الانظمة العربية الى تحديث مجتمعاتها، واتجهت الى التنمية السياسية التي يفترض ان تواكب التنمية الاقتصادية، فانها قفزت فوق قيم الممارسة الديمقراطية، وتجاهلت استحقاقاتها الاساسية المتمثلة في حقي المشاركة والمساءلة، ثم اتجهت الى منتجات الديمقراطية وافرازاتها وسعت الى التعامل معها بصورة مباشرة. وكان ذلك بمثابة اقصاء للاصل وتركيز على الفرع، وهو ما عبر عنه البعض بقولهم انه تفريغ للديمقراطية من مضمونها الليبرالي.. ماذا كانت النتيجة؟
كما ان الديمقراطية العربية اختزلت في بعض الموسسات والهياكل التي توفر الشكل بينما تعجز عن اداء الوظيفة، فان ما يسمى بالمجتمع المدني ومجتمع المعرفة ومنظمات حقوق الانسان، صارت بدورها عناوين فارغة المضمون، اعطت انطباعا وهميا بالانخراط في مجرى الحداثة والديمقراطية، في حين انها تؤدي دور القناع الذي يغطي وجه الممارسات الاستبدادية.
ذلك وضع محزن وبائس لا ريب، لكن الاسوأ من وجوده ان من شأن استمراره على تلك الوتيرة ان يصيب الشباب بالاحباط، واليأس من أي ممارسة ديمقراطية، ومن ثم من أي تطور سلمي ايجابي في المجتمعات العربية، وحين يبلغ منهم القنوط مبلغه فان العنف يطل برأسه كأحد خيارات التغيير المطروحة، ان لم يكن الخيار البديل الاكثر رجحانا، ولكي تكتمل فصول المشهد المأساوي فاننا لا نفعل شيئا لعلاج المشكلة من جذورها، ولكننا نسارع الى قمع الشباب وسمعتهم دون ان نفكر في محاسبة انفسنا فيما اقترفناه حتى اوصلناهم الى تلك النتيجة.

0 Comments:

Post a Comment

<< Home